تجارب وشهادات .. يحيى الحاج
المسرحي السوداني يحيى الحاج (1948- 2018)
عبد الرحمن بن زيدان (المغرب)
أن تكتب عن أديب، وفنان، ومعلم هو المخرج والممثل يحيى الحاج، فهذا يعني الحديث عن عمقه الإنساني، كمحرك لرؤيته لعالم الفن والأدب والدراما، فهذا يحتاج العودة إلى الذاكرة لاختبار خزانها وما تجمع فيها من لمحات ثرية عن تجاربه، وأقواله التي باح بها في المسامرات الثقافية، او عبّر عنها في اللقاءات والندوات، أو نطق بها في المهرجانات المسرحية العربية والدولية، وهذا ما يمكن أن يخلد ذكرى هذا الأديب الفنان، الذي أفنى عمره في مدارات حياة أراد لها أن تبقى حية بلا مرارة، وبدون زوال.
الكتابة من مرجع الذاكرة عن المخرج يحيى الحاج لا يمكنها أن تفي هذا المبدع الإنسان حقه، لهذا ستأتي الكتابة عنه مؤانسة لأجواء العمر الفني ! الاستثنائي في تجربة المسرح العربي التي كان يحركها بالمرجعيات العربية الأصيلة، وبثقافته الغربية، وهو يبحث عن مدينة أرادها أن تكون فاضلة بثقافتها وتراثها وفنونها بعيدة كل البعد عن الكراهية، والنزاعات، وغياب حرية التواصل بين الإنسان والإنسان، والتواصل بين المجتمعات الإنسانية.
إن التأريخ للتجارب الأدبية والفنية، سواء أكانت فردية، أم كانت جماعية، والتدقيق في جامع مكوناتها، وميزاتها، وتفردها بدلالاتها العميقة وإبراز الجوانب المضيئة في عطاءاتها المتميزة، هو ما يمكن به قراءة صفحات من عمر الحياة الثقافية في بلد من البلدان، وتقديم صفحات مكتوبة بدور المثقفين في تفعيل حيوية الحضور الثقافي في المجتمع.
هذا يعني أن بهذا التاريخ يمكن تلمس معرفة مستويات الوعي. ودوره في الحفاظ على الانفتاح الثقافي، وتفاعله مع ثقافات أخرى، وإبداعات تنتمي إلى أحياز أخرى يرى فيها المبدعون الحقيقيون أنها يمكن أن تلعب دورا إيجابيا في نقل الأفكار، وترويج المعرفة في سياقات أخرى تستفيد منها وتفيد وتستنبت منها ما يعمل على تخصيب التجارب والانفتاح، وتشد عضد البناء الحضاري، وتكوين الذوق، وإمتاع العقل بحرية البحث للتفكير الحر في ما هو أحدث وما هو أجدى، وأنفع.
كثيرة هي التجارب والحركات الثقافية التي کرست فعل الحوار الثقافي بما يخدم ثقافتها ومسيرتها التاريخية وكثيرة هي المجتمعات التي تطورت بفضل هذا التلاقح بين الأفكار والأسئلة، والنظر إلى المستقبل قدر رؤيتها إلى أصالتها وإلى تاريخها.
أكيد أن دول الكويت والبحرين، تمثل هذا النوع من الانفتاح، الذي مكن العديد من التخصصات في مجال المسرح من الاندماج مع سير التطور في دول الخليج العربية، بما يخدم تطور المجتمع الخليجي، ودليلنا – أيضاً – دولة الإمارات العربية المتحدة، التي كانت فيها الفرص سانحة لكل من يريد أن ينخرط بكفاءته، في إبراز الكفاءات المحلية، ويتجاوب مع المناخ الحقيقي للتطور الذي يعرفه المجتمع الثقافي في الخليج للدفع بالثقافة والفن نحو الأرقى، والأصفى، والأمتع.
وفي المسرح الذي يعتبر مختبر المختبرات الحقيقية لهذا الانفتاح، وجدنا كيف تبلورت التجربة المسرحية في الإمارات بفضل هذا التناسج الحضاري والثقافي بين الكفاءات العربية، التي بصمت بسماتها الخاصة، ما به ارتسمت خصوصيات التجربة المسرحية الإماراتية.
ومن بين الأسماء التي انضمت إلى كوكبة المسرحيين العرب في الخليج العربي وكان لها دور فعال في دعم هذا الانفتاح، والسير بالإنتاج المسرحي نحو أفقه الجمالي الممكن نجد المخرج والفنان والمربي الأستاذ يحيى الحاج، الذي تمكن من أن يصبح أيقونة التفاؤل برؤيته للمسرح، وللحياة، وللعلاقات بين المثقفين والعلاقات بين من يحملون معه نظرة مستقبلية متفائلة تعيش في عالم خال من الأحقاد والحروب والنزاعات القاتلة، التي ترمي بالإنسان خارج ذاته، وخارج وطنه، وخارج أحلامه، بعيدا عن نبض قلبه.
والمخرج الفنان يحيى الحاج، بكل مساهماته في الإنتاج المسرحي في السودان، وتشبعه بالثقافة العالمية، وارتباطه بالتكوين والمعرفة المسرحية في لندن، واستقراره في الإمارات العربية المتحدة يبقى رابطا حقيقيا بين كل الأبعاد البعيدة والقصية في الثقافات، في ترحاله بين الأزمنة المختلفة، ليختصر صورة المثقف الذي كان ينير بتفاؤله فرحة القلب ليجعلها صفحات يرسم عليها ما يعتمل في الحياة وفي المجتمع من تنافر ومن مفارقات، وهو ما تقدمه حياته حين ارتبط في بداية مسيره الفني بالمسرح كهاو له، فجعل من خطاباته، وفرجاته، ورؤاه المأساوية تخصصاً مكتوباً بلحظات حياته الحقيقية، التي توزعت أصلاً – بين السودان كأصل لأصله، ولندن كبرزخ بينه وبين حضارة الغرب والشارقة كمستقر أخير ، وجد فيها فضاء سنح له الاشتغال الفني الواضح، فاستطاع أن يحقق فيه هذا التفاعل بين أرومة هي أصله الذي لم يفكر- قط – في التخلي عنه، وبين حياة وجدها مسيرة بحيوية الشارقة، التي بقيت عنده مختبرا للفن وللمسرح الذي سينجز فيه رؤيته للعالم.
لقد توحد المنبت العروبي الأفريقي الصوفي للمخرج يحيى الحاج، في كل مواقفه وآرائه المستمدة من عمق السودان، الزاخر بتراثه وتاريخه العميق، الذي ظل نبضا حيا في رؤيته طوال حياته، إضافة إلى معرفته العميقة بتقنيات الأداء، وكيفية الاشتغال على جسد وعمق نفسية الممثل، كمعرفة اكتسبها – أولاً من دراسته في الخرطوم. ثم في لندن، التي منح منها كيفية صياغة سؤاله الفلسفي حول حضارة الغرب، وكيفية صياغة سؤاله حول الحضارة المحلوم للزمن العربي ثم سؤاله حول المسرح، وسؤاله حول أسرار الجسد الفني، وهي الأسئلة التي ولج بها إلى زمن التجريب المسرحي في الإمارات العربية المتحدة، فطمح إلى تأسيس مسرح يكون أكثر ارتباطا بصيرورة المجتمع الجديد.
من هذه الأسئلة والمكونات والمرجعيات الثقافية نجد أن الفنان يحيى الحاج قد حقق في تجربته المسرحية، توازنا وظيفيا بين كل هذه المعطيات، فساهم في تجربة الإخراج المسرحي في الخليج العربي، وساهم في تكوين الشباب، وهو يقوم بتشغيل ثقافته الغربية، ومهاراته المكتسبة من الغرب لقراءة التجربة المسرحية وإعادة كتابتها إخراجيا، فاشتغل على إخراج العديد من المسرحيات الغربية والعربية، وشارك في تأثيث جمالية العروض المسرحية بعمقه الثقافي السوداني، وبمعرفته الغربية بأسرار اللعبة المسرحية، فكان يؤكد على مهارته الاستثنائية في التعامل مع النصوص المسرحية الكلاسيكية الغربية، وكان يؤثث صورها الباذخة زمن كل عرض مسرحي وسمه بجماليات الكتابة الركحية. التي كانت تحركها كل التراكمات والخبرات التي اكتسبها من تجربته في المسرح السوداني، إخراجا. وتمثيلاً، وتأطيراً للفعاليات التي يرغب في التحاقها بالفعل المسرحي، ودعمها بمهارته التي كان يبعد عنها أي استنساخ بارد لأدوات الغرب ومناهجه في الإنتاج المسرحي، متوخيا من ذلك أن تبقى الفرجة المسرحية العربية مكتوبة بالنفس العربي الأصيل تمشيا مع كل توجهات التأصيل المسرحي الذي ترسخ في السياق المسرحي السوداني، ثم في السياق العربي، حفاظا على التراث المتنوع الذي لا يتحرك ولا يبقى في نظره مستمرا بجديده، إلا بفضل ما يملكه المبدع الحق من وشائج قوية. تربطه بقضايا الإنسان، وبالثقافة المسرحية.
لهذا كان كده وغايته في تقديم العرض المسرحي للكاتب العربي . خصوصا – هو تقديم قراءاته للنص المسرحي بعمقه العربي، وتقديم فرجات ممهورة بحسه الفني، الذي يفتح به عيون الكلام على عالم الفرجة حتى تظل منخرطة في المسرح الذي يريد تأصيله دون تغريب أو استلاب لأنه لا يريد أن يكون تابعا للغرب يعيد ما رأه، وما قرأه، لأنه يريد أن يكون مبدعا ثانيا لنص المؤلف، حتى يكون أكثر احتضانا للرؤية العربية في المسرح، وهو ما كان يصرح به ويعلن عن فحواه، أثناء مناقشة العروض المسرحية العربية، وهو يبسط آراءه كمخرج يتكلم بلسان الناقد، أو أنه يقدم مقاربته لموضوع القراءة كناقد يتكلم بلسان الناقد المجرب.
هذا التوازن أثناء خلق حوار بين عمق ثقافته السودانية، وتخصصه في التمثيل، واشتغاله على النصوص المسرحية الكلاسيكية والعربية هو الذي حافظ به على خصوصيات تجربته في التعامل مع المسرح، فهما، وإنتاجا وتمثلا للمفاهيم التي كان يتعامل معها برؤيته العروبية، ليدمجها في مسرحه التجريبي العربي في الإمارات العربية المتحدة، بدءا من سنة 1980 حيث حافظ على أصالتها بهدوء مفعم بحيوية التأمل والتفكير والتركيز واستثمار المعرفة لجعل حيوية الإخراج المسرحي الناعم بشاعريته. وبإيحاءاته، ممهورا بعناصر ومقومات العمق العربي والتقانة الغربية، التي ظلت ترافقه في كل تجاربه اعتمادا على منهجه التالي:
التعامل مع طاقات الممثل، ومؤهلاته حتى تنتقل هذه الطاقة بعد التكوين والإعداد لزمن العرض إلى مرحلة نحت الشخصية التي تناسب الخصائص الفنية والنفسية لهوية ما سيصير عليه هذا الممثل بالشخصية الجديدة.
العمل على تحقيق الاندماج في حركية المسرحي الخليجي وبرامجه التأسيسية للفعل الثقافي بالمسرح، وهو ما فتح به إمكانات الالتزام مع المخرجين العرب بعنصرين اثنين وجد أنهما أساس تحقيق الطفرة الحقيقية للمسرح الذي يريده المجتمع الجديد وهو يتعامل مع كل إنتاجية مسرحية تجريبية أولهما التكوين المسرحي بوصفه تخصيبا للفكر المسرحي بألية المسرح، ثم تكوين الممثل، ثم السير بهذا التكوين مع أيام الشارقة المسرحية، والفرق المسرحية المحلية والهيئة العربية للمسرح، نحو تحقيق توطين حقيقي لمسرح حقيقي بالمعرفة الحقيقية لمجتمع ثقافي حقيقي.
إنه منهج كان فيه المخرج يحيى الحاج يستثمر كل إمكانياته الفكرية وكل مهاراته، حتى يفتح المقولات المغلقة على كل محتمل يمكن أن يساعده على بلوغ الرؤية، التي ينسج معالمها في النصوص التي يتعامل معها، ليفتح عالم القراءة على موضوعاتها، ويفتح مغالق النصوص على مضمرها لتبسيط المركب، وفتح المغلق لاستبيان المضمر في النص الدرامي العربي والفرجة معا كما حقق ذلك في تجربته مع المسرح السوداني بعد أن تخرج في المعهد العالي للموسيقى والمسرح في السودان، تخصص تمثيل وإخراج عام 1972، وكما حقق ذلك مع المسرح الإماراتي، بعد أن استقر في الشارقة التي ستعرف تحولاً ثقافيا مسرحيا بدءاً من سبعينيات القرن العشرين.
بين التجربة المسرحية الأولى في السودان، والتجرية المسرحية الثانية في الشارقة التي دامت اربعين سنة من التجريب المسرحي. والاشتغال بفكر المسرح. وعلومه من عام 1980. هناك مرحلة فارقة عند يحيى الحاج في اكتساب المعرفة وتعميق التخصص والزيادة في اكتساب المهارات وهي حصوله على الدبلوم في المسرح تخصص تمثيل من لندن سنة 1978.
هذه المراحل الثلاث (السودان – لندن- الشارقة) هي العمر الفني الحقيقي في الإبداع والإنتاج المسرحي عند المخرج يحيى الحاج وهو يبحث عن التوازن الممكن بين الغرب والشرق. الغرب لندن كمصدر يحفز على تعميق المعرفة بالثقافة المسرحية وثقافة الجسد والوطن العربي كموضوع يمكن أن يتبدل بفضل المعرفة المكتسبة من هذا الغرب، دون التخلي عن الأصول.
لهذا بقي يحيى الحاج في هذه المراحل بكل أزمنتها الثقافية والفكرية والفنية وتباين خصوصيات الزمن والمكان ملتزما بعناصر ومقومات تخصصه في المسرح، وكان يحول رؤاه إلى سؤال للمعرفة استمده من مناهج الإخراج المسرحي والتكوين فصار – بعد ذلك – مفعما بعشق مسرح حافل بالتفاؤل، مسكونا بالنظر إلى المستقبل باستبشار يحركه الحنين إلى الوطن بتفاؤل، ويحركه . في الوقت ذاته – أمل إيجاد فرحة حقيقية يحتفل فيها الجميع بإنسانية الإنسان، وهو ما كان يبثه فى قناعات خطاباته الهامسة بمدلولها، حتى يجعل المسرح حيا، برموزه، وقضاياه ما دام يعيش تجدده بالمعرفة، وما دام هناك تفاعل مع الآخر.
هذا الآخر؛ الغرب، الذي يعتبره في كل حالات العشق الذي يسكنه وسيلة مساعدة على إذكاء جذوة القراءة المتأنية لتراث الغرب، وفهمه وفهم التراث العربي الأصيل لفهم معانيه ودلالاته. حتى يكون هذا العشق داعما قويا لكل معرفة حقيقية. حافلة بحيوية تشغيل مناهج صناعة الفرجة. التي ستمكن من المشاركة في فعل الإضافة والاختلاف، وليس فعل محاكاة تقف عند محطة واحدة، لا يغادرها فعل الإخراج والتكوين وهذا في رأيه يتطلب التجدد وإعادة التكوين الذاتي وتكوين الشباب وتكوين المسرحيين بمختلف حساسياتهم وأعمارهم الفنية، وتجاربهم المختلفة حتى يستمر المسرح بالتجديد وليس بالتقليد وهو ما كان يحيى الحاج يجافيه، ويهرب منه. ويبتعد جهد الإمكان عن إعادة ما قدمه من قبل حتى يظل بحثه متواصلا بتلاقح ثقافي حقيقي بين الغرب وبين فعل المسرح الذي يريد إنجازه، مع باقي الفاعلين في المسرح العربي الخليجي ليرى المنتوج المسرحي العربي الخليجي، والنتاج الفرجوي، وتلقي كل فعاليات التراكم النوعي المسرحي، موسوما بهذا التوازن المعرفي الذي لم يغادره – قط – وهو يُحوّل عالمه في الإنتاج المسرحي إلى عالم منفتح على كل إمكانات الإبداع، كي يبقى حيا في زمان الحفاظ على هذا التوازن أثناء توطين المسرح في كل تجربة يعرفها التجريب المسرحي في الخليج العربي.
في رحلته الواقعية وليست الافتراضية بين السودان ولندن والشارقة، كان المخرج يحيى الحاج يتعامل مع العديد من المسرحيين الذي أثبتوا جدارتهم وحضورهم في الفعل المسرحي العالمي العارف بمجالات اشتغاله فمن المسرح الكلاسيكي ومعرفته بخاصيات التكوين البنائي للدراما الكلاسيكية، راكم خبرته بخبرات هذا المسرح، حين اشتغل في الخرطوم في بدايات حياته الفنية، على مسرحيات كل من شكسبير( William Shake ) speare) ، وموليير Jean – Baptiste) Poquelin Molière)، وإبسن ( Henrisen)، وتشيخوف Anton)، وتينيسي وليامز ( Ten (Wole Soyinka Kigwg (nessee Williams
نتساءل في هذا المضمار ماذا علم للآخرين ؟ وماذا من هذه التجارب التي بدأها في السودان؟ وكيف تمكن من تجويد خبرته بهذه التجارب التي كلها كانت تشكل عالما تجريبيا خاصا في تاريخ المسرح العالمي؟
لم يغب عن خلد المخرج يحيى الحاج، ولم يغب عن ذهنه واهتمامه بمستقبل المسرح العربي أن المسرح العربي لا يمكن أن يعيش خارج دائرة التفاعل مع التجارب المسرحية العالمية، ولا يمكنه أن يؤصل رؤيته إلا بالجديد وليس بالتقليد والمحاكاة الكسولة لما عند الآخر، لأن مكمن وأسباب تطوير الفعل المسرحي عنده، ظلت مشروطة بتطوير المعرفة بعلم المسرح، وتطوير المعرفة عن طريق تملك وسائل الاطلاع على المسرح الغربي الذي تمكن من إرساء قواعد ومدارس مسرحية. ونظريات، واتجاهات فلسفية راكم بها أسئلة المعرفة من أجل تطوير المعرفة المسرحية وهو ما راهن عليه المخرج يحيى الحاج أثناء وجوده في السودان، أو بعد دخوله أحياز التأسيس المسرحي في الشارقة، موقناً أن السلطة المعرفية لبناء وظائف المسرح حضاريا هي ما سيمكنه، وهو يتفاعل مع مجريات المسرح الخليجي؛ من بناء خطابه، ودلالاته الكاتبة لزمانه وزمان الإنسان فيه، وزمان المجتمع الذي وجد فيه.
وهذا النوع من الارتباط بمدارس المسرح في الغرب والمعرفة بأهمية الممثل في العملية المسرحية، هو الذي حفزه على التعامل أكثر مع نصوص مسرحية عربية، أراد بها اكتشاف معناها العميق، وهو يجوب أفاق البحث عن الأصيل فيها، وما يقدمه من قضايا عربية تتحدث عن الذات العربية كهوية تمثل مضمون الدراما، ويأتي الإخراج المسرحي ليربط الخطاب المسرحي الدرامي بالصورة المسرحية في علاقتها بالصورة الواقعية ليكونا في نهاية المطاف لبنة من لبنات توطين الرؤية المسرحية العربية في الخليج العربي بتنوع هذا المسرح الذي سيمنح الحركية الانتماء إلى الزمن العربي شرعيته الممكنة.
أكيد أن كل تجربة إبداعية في تاريخ التجربة المسرحية لدى يحيى الحاج إلا وتحركها ثقافته كمبدع، كان يسبغ عليها سمات عروبية كان يكتبها برهافة إحساس ليكون لها موقع بين التجارب الإخراجية الخليجية الأخرى، وهذا ما يؤكد حضوره الرمزي بين باقي الرموز الثقافية التي ينتمي إلى عوالمها ويتعامل مع عناصرها الحيوية التي كانت تساعده على الاستمرار والعطاء.
يمكن أن نستخلص من هذه التجربة ما يميز هذا المبدع، وهو ينتمي إلى مجال تخصصه بحضوره الجلي بإبداعيته، مما سيساعد قراءتنا لتجربته على استخلاص تميزه وهو ما يمكن أن يقدم لنا خطابات ومواقف تقدم في نهاية المطاف المشروعين الفني والمنهجي اللذين هما أساس هذا التميز.
هذا ما يمكن أن يقربنا – أيضاً – من هذه التجربة وخصوصياتها، التي حركت رؤيته في الإبداع المسرحي حين كان في السودان، وزادت حركيتها في الشارقة، حين أراد أن يسهر على تأطير الورش المسرحية، وكلها كانت تقوم على مرجعيات ومعرفة اتخذ منها الفنان يحيى الحاج آليات تشغل علمه المسرحي في الإخراج والتكوين بمنهجية تقوم على الأسس التالية:
التزامه برؤيته للمسرح، القائمة على أن هذا المسرح لا يمكنه . بتاتا – أن يكون مسرحا بدون دراسة وبدون تخصص وتكوين وبدون عمق فلسفي.
ضرورة التعرف على العمارة المسرحية القديمة. ومعرفة فضاءاتها وعلاقتها بالعروض الكلاسيكية التي كانت تلتئم في فضاءاتها.
ربط عملية الإخراج المسرحي بطبيعة المسرح ومكوناته أثناء التعامل مع الآخر الغرب، لا سيما معرفة روائع المسرح العالمي بدءا من رواده في اليونان، إلى هنريك إبسن، وهو ما قدمه في مصنفه التعليمي الموسوم بـ : «الفن المسرحي من البدايات إلى هنريك إبسن».
أما على مستوى منظوره المكونات التمثيل. ووظائفه الفنية والتعبيرية، فالمخرج يحيى الحاج كان شغوفا بوجود علاقة جدلية بين إعداد الممثل وتكوينه تكوينا جسديا وفنيا ونفسيا، يوصله إلى بلاغة الجسد، إنها معرفة لها امتداداتها المتصلة بالرؤية التراجيدية للنص، ولها ارتباطها بالرؤية الفلسفية التي يقدمها الإخراج المسرحي، لأن عناصر العرض لا تكتمل في رأيه إلا بجعلها آليات منتجة لجمالية الجسد وهي تنتج الصورة والدلالة المسرحية حتى تكون عناصر الفرجة مكتملة القوام والبنية بالوشائج القائمة عنده على عنصري البصر والبصيرة)، (القراءة وإعادة القراءة)، الوعي وإعادة تشكيل (الوعي بنص المؤلف لتسهيل عملية تكوين العرض بباقي الوسائط الفنية الأخرى).
إن الرؤية التراجيدية الكامنة في نص المؤلف والرؤية الإنسانية التي تكشف عنها قراءة المخرج هي عملية لا تتحقق جماليا إلا بجعل المسرح الذي كان يطمح إلى تحقيقه قائما على تطويع آلية جسد الممثل إلى طبيعة تكوين بنية العرض، لأنه سيصير مؤديا بعد الإعداد لهذه الرؤية، وهذا لا يتأتى إلا بالاعتماد على العناصر التي كانت ضمن منهج المخرج يحيى الحاج، ومن بينها:
التحكم فى مشاعر الانفعال لدى الممثل، لتحريك عمق الشخصية بما تتطلبه الرؤية الداخلية للنص. التمكن بهذا الجسد من تحقيق التواشج الفني بين باقي علامات الفرجة مما سيخلق التألف المطلوب بين ما هو جميل بالجميل الذي يجنب صيرورة العرض التنافر الممل.
أن البروفة ضرورة لتطويع الممثلين جسديا ونفسيا، كي يكتسبوا خبرة في الانسجام الجماعي لقد كانت تجربة الإخراج والتكوين، وتلقي العروض المسرحية العربية وتحليلها ونقدها قائمة عند المخرج يحيى الحاج على محرك فعال في صناعة الفرجة ومراجعة التفكير في صناعتها. وهي مراجعة الرأي للاتفاق أو الاختلاف مع الرأي الآخر، وإعادة النظر في بنيات ما يقوله الإخراج. حتى يندمج ويفترق مع المتلقي في الوطن العربي بعامة، والخليجي بخاصة.
وبما أن ثقافته العربية الأفريقية والعالمية. كانت وراء هذه التجربة في مجال الإخراج والتكوين فقد كان المخرج يحيى الحاج عارفا بمركزية الغرب وهيمنته على المسرح العربي، لكنه في مشروعه المسرحي كان يخفف من وطأة هذه الهيمنة، حين كان يستحضر الذاكرة السودانية الحية، برهافة وشفافية ما تملكه من أصول أصيلة، لبناء الحكي بمفردات شفيفة تبني عروضه المقتبسة أو المستنبتة، أو التي يتم إعدادها حتى تصبح جاهزة للعرض المسرحي العربي يستقبلها المتلقي العربي بدهشة المتعة والاستحسان والقبول وهذا ما تبلور في النصوص العربية التي اختارها مقتنعا بحمولاتها السياسية في تسييس الخطاب المسرحي، وكان مقتنعا بما تفيض به من بعد صوفي، وهو ما كتب به تجربته بهذه القناعة في المسرحيات التي تم التوثيق لها في معجم المسرحيات الإماراتية. (1950 – 2009) إعداد عبد الفتاح صبري – علي خميس، الصادر عن الهيئة العربية للمسرح . الأمانة العامة الشارقة . دولة الإمارات العربية المتحدة. هذه المسرحيات التي قمت بترتيبها ترتيباً كرونولوجياً لتكون منسجمة مع الحديث الخاص عن المخرج يحيى الحاج، وهي كالتالي:
آرثر ميلر: «كلهم أبنائي» وهي تأليف جماعي تم تكوين عناصر العرض في ورشة خاصة بالتكوين وقدمته فرقة المسرح الحديث، وكانت سنة العرض 1983.
علي عقلة عرسان: «الشيخ والطريق الإعداد والإخراج، سنة العرض 1984 وقدمت في «أيام الشارقة المسرحية» – الدورة الأولى.
سعد الله ونوس: «بائع الدبس الفقير»، سنة العرض 1985 وقدمت في «أيام الشارقة المسرحية» . الدورة الثانية.
عبد المنعم عواد: « صحوة المشلول»، سنة العرض 1985، قدمتها فرقة مسرح الشباب للفنون «أيام الشارقة المسرحية – الدورة الثانية – خارج المسابقة، وقدمت في المسابقة الأولى للشباب – دول مجلس التعاون – الكويت.
صلاح عبد الصبور: «مأساة الحلاج». قدمتها فرقة المسرح الحديث، سنة العرض 1986 أيام الشارقة المسرحية» – الدورة السادسة.
ممدوح عدوان: «الوحوش لا تغني، قدمتها فرقة المسرح الحديث، وكان العرض سنة 1988.
محمود دياب “الرجال لهم رؤوس». فرقة المسرح الحديث قدم العرض سنة 1989.
أحمد الماجد “انتبه قد يحدث لك هذا». فرقة المسرح الحديث قدم العرض سنة 2005 “أيام الشارقة المسرحية» . الدورة الخامسة عشرة. الجهود التي بذلها الخبير المسرحي يحيى الحاج في تطريز جمالية الإخراج بثقافته الموسوعية، وهو يعطي الركح جمالية خاصة. كتب بها انخراطه النوعي في تجربة المسرح في الإمارات وكانت هذه الجهود موسومة بحضوره في التربية الفنية والاهتمام بمسرح الطفل، ودوره اللافت في تفعيل دور المؤسسات المسرحية، وهي جهود ستبقى مكتوبة بعمره الإنساني ومكتوبة بوفائه لأصوله، وبوفائه للثقافة العربية وتاريخها وتراثها، وهو ما كان به يبحث عن أبعاد إنسانية، بها يمكن أن يتحقق وجود المسرح في عالم يُحفزه على البقاء، ليظل مرتبطا بالمجتمع الذي ينتظر تحقيقه بالقيم الفاضلة التي بناها بتفاؤله وبعلاقاته الإنسانية، وكانت ابتسامته النابعة من عمقه الصافي دليل تفاؤل مطلق، لا تحده حدود ، ولا تُمصَره موانع، لأنه مؤمن بحياة صافية صفاء روحه التي بثها في كل ما كتب وفي كل ما قدمه من فرجات كلها ستظل حاملة لمعنى الابتسامة المتفائلة بالحياة، حتى في غيابه ستظل حاضرة، لأنها ابتسامة مهداة للكل من أجل الكل.
مكناس في 12 يناير 2019[1]
[1] المصدر: مجلة المسرح، الشارقة، العدد 27، فبراير، 2019
