تجارب وشهادات .. يحيى الحاج
تجارب وشهادات .. يحيى الحاج المسرحي السوداني يحيى الحاج (1948- 2018) عبد الرحمن بن زيدان (المغرب) أن تكتب عن أديب، وفنان، ومعلم هو المخرج والممثل يحيى الحاج، فهذا يعني الحديث عن عمقه الإنساني، كمحرك لرؤيته لعالم الفن والأدب والدراما، فهذا يحتاج العودة إلى الذاكرة لاختبار خزانها وما تجمع فيها من لمحات ثرية عن تجاربه، وأقواله التي باح بها في المسامرات الثقافية، او عبّر عنها في اللقاءات والندوات، أو نطق بها في المهرجانات المسرحية العربية والدولية، وهذا ما يمكن أن يخلد ذكرى هذا الأديب الفنان، الذي أفنى عمره في مدارات حياة أراد لها أن تبقى حية بلا مرارة، وبدون زوال. الكتابة من مرجع الذاكرة عن المخرج يحيى الحاج لا يمكنها أن تفي هذا المبدع الإنسان حقه، لهذا ستأتي الكتابة عنه مؤانسة لأجواء العمر الفني ! الاستثنائي في تجربة المسرح العربي التي كان يحركها بالمرجعيات العربية الأصيلة، وبثقافته الغربية، وهو يبحث عن مدينة أرادها أن تكون فاضلة بثقافتها وتراثها وفنونها بعيدة كل البعد عن الكراهية، والنزاعات، وغياب حرية التواصل بين الإنسان والإنسان، والتواصل بين المجتمعات الإنسانية. إن التأريخ للتجارب الأدبية والفنية، سواء أكانت فردية، أم كانت جماعية، والتدقيق في جامع مكوناتها، وميزاتها، وتفردها بدلالاتها العميقة وإبراز الجوانب المضيئة في عطاءاتها المتميزة، هو ما يمكن به قراءة صفحات من عمر الحياة الثقافية في بلد من البلدان، وتقديم صفحات مكتوبة بدور المثقفين في تفعيل حيوية الحضور الثقافي في المجتمع. هذا يعني أن بهذا التاريخ يمكن تلمس معرفة مستويات الوعي. ودوره في الحفاظ على الانفتاح الثقافي، وتفاعله مع ثقافات أخرى، وإبداعات تنتمي إلى أحياز أخرى يرى فيها المبدعون الحقيقيون أنها يمكن أن تلعب دورا إيجابيا في نقل الأفكار، وترويج المعرفة في سياقات أخرى تستفيد منها وتفيد وتستنبت منها ما يعمل على تخصيب التجارب والانفتاح، وتشد عضد البناء الحضاري، وتكوين الذوق، وإمتاع العقل بحرية البحث للتفكير الحر في ما هو أحدث وما هو أجدى، وأنفع. كثيرة هي التجارب والحركات الثقافية التي کرست فعل الحوار الثقافي بما يخدم ثقافتها ومسيرتها التاريخية وكثيرة هي المجتمعات التي تطورت بفضل هذا التلاقح بين الأفكار والأسئلة، والنظر إلى المستقبل قدر رؤيتها إلى أصالتها وإلى تاريخها. أكيد أن دول الكويت والبحرين، تمثل هذا النوع من الانفتاح، الذي مكن العديد من التخصصات في مجال المسرح من الاندماج مع سير التطور في دول الخليج العربية، بما يخدم تطور المجتمع الخليجي، ودليلنا – أيضاً – دولة الإمارات العربية المتحدة، التي كانت فيها الفرص سانحة لكل من يريد أن ينخرط بكفاءته، في إبراز الكفاءات المحلية، ويتجاوب مع المناخ الحقيقي للتطور الذي يعرفه المجتمع الثقافي في الخليج للدفع بالثقافة والفن نحو الأرقى، والأصفى، والأمتع. وفي المسرح الذي يعتبر مختبر المختبرات الحقيقية لهذا الانفتاح، وجدنا كيف تبلورت التجربة المسرحية في الإمارات بفضل هذا التناسج الحضاري والثقافي بين الكفاءات العربية، التي بصمت بسماتها الخاصة، ما به ارتسمت خصوصيات التجربة المسرحية الإماراتية. ومن بين الأسماء التي انضمت إلى كوكبة المسرحيين العرب في الخليج العربي وكان لها دور فعال في دعم هذا الانفتاح، والسير بالإنتاج المسرحي نحو أفقه الجمالي الممكن نجد المخرج والفنان والمربي الأستاذ يحيى الحاج، الذي تمكن من أن يصبح أيقونة التفاؤل برؤيته للمسرح، وللحياة، وللعلاقات بين المثقفين والعلاقات بين من يحملون معه نظرة مستقبلية متفائلة تعيش في عالم خال من الأحقاد والحروب والنزاعات القاتلة، التي ترمي بالإنسان خارج ذاته، وخارج وطنه، وخارج أحلامه، بعيدا عن نبض قلبه. والمخرج الفنان يحيى الحاج، بكل مساهماته في الإنتاج المسرحي في السودان، وتشبعه بالثقافة العالمية، وارتباطه بالتكوين والمعرفة المسرحية في لندن، واستقراره في الإمارات العربية المتحدة يبقى رابطا حقيقيا بين كل الأبعاد البعيدة والقصية في الثقافات، في ترحاله بين الأزمنة المختلفة، ليختصر صورة المثقف الذي كان ينير بتفاؤله فرحة القلب ليجعلها صفحات يرسم عليها ما يعتمل في الحياة وفي المجتمع من تنافر ومن مفارقات، وهو ما تقدمه حياته حين ارتبط في بداية مسيره الفني بالمسرح كهاو له، فجعل من خطاباته، وفرجاته، ورؤاه المأساوية تخصصاً مكتوباً بلحظات حياته الحقيقية، التي توزعت أصلاً – بين السودان كأصل لأصله، ولندن كبرزخ بينه وبين حضارة الغرب والشارقة كمستقر أخير ، وجد فيها فضاء سنح له الاشتغال الفني الواضح، فاستطاع أن يحقق فيه هذا التفاعل بين أرومة هي أصله الذي لم يفكر- قط – في التخلي عنه، وبين حياة وجدها مسيرة بحيوية الشارقة، التي بقيت عنده مختبرا للفن وللمسرح الذي سينجز فيه رؤيته للعالم. لقد توحد المنبت العروبي الأفريقي الصوفي للمخرج يحيى الحاج، في كل مواقفه وآرائه المستمدة من عمق السودان، الزاخر بتراثه وتاريخه العميق، الذي ظل نبضا حيا في رؤيته طوال حياته، إضافة إلى معرفته العميقة بتقنيات الأداء، وكيفية الاشتغال على جسد وعمق نفسية الممثل، كمعرفة اكتسبها – أولاً من دراسته في الخرطوم. ثم في لندن، التي منح منها كيفية صياغة سؤاله الفلسفي حول حضارة الغرب، وكيفية صياغة سؤاله حول الحضارة المحلوم للزمن العربي ثم سؤاله حول المسرح، وسؤاله حول أسرار الجسد الفني، وهي الأسئلة التي ولج بها إلى زمن التجريب المسرحي في الإمارات العربية المتحدة، فطمح إلى تأسيس مسرح يكون أكثر ارتباطا بصيرورة المجتمع الجديد. من هذه الأسئلة والمكونات والمرجعيات الثقافية نجد أن الفنان يحيى الحاج قد حقق في تجربته المسرحية، توازنا وظيفيا بين كل هذه المعطيات، فساهم في تجربة الإخراج المسرحي في الخليج العربي، وساهم في تكوين الشباب، وهو يقوم بتشغيل ثقافته الغربية، ومهاراته المكتسبة من الغرب لقراءة التجربة المسرحية وإعادة كتابتها إخراجيا، فاشتغل على إخراج العديد من المسرحيات الغربية والعربية، وشارك في تأثيث جمالية العروض المسرحية بعمقه الثقافي السوداني، وبمعرفته الغربية بأسرار اللعبة المسرحية، فكان يؤكد على مهارته الاستثنائية في التعامل مع النصوص المسرحية الكلاسيكية الغربية، وكان يؤثث صورها الباذخة زمن كل عرض مسرحي وسمه بجماليات الكتابة الركحية. التي كانت تحركها كل التراكمات والخبرات التي اكتسبها من تجربته في المسرح السوداني، إخراجا. وتمثيلاً، وتأطيراً للفعاليات التي يرغب في التحاقها بالفعل المسرحي، ودعمها بمهارته التي كان يبعد عنها أي استنساخ بارد لأدوات الغرب ومناهجه في الإنتاج المسرحي، متوخيا من ذلك أن تبقى الفرجة المسرحية العربية مكتوبة بالنفس العربي الأصيل تمشيا مع كل توجهات التأصيل المسرحي الذي ترسخ في السياق المسرحي السوداني، ثم في السياق العربي، حفاظا على التراث المتنوع الذي لا يتحرك ولا يبقى في نظره مستمرا بجديده، إلا بفضل ما يملكه المبدع الحق من وشائج قوية. تربطه بقضايا الإنسان، وبالثقافة المسرحية. لهذا كان كده وغايته في تقديم العرض المسرحي للكاتب العربي . خصوصا – هو تقديم قراءاته للنص المسرحي بعمقه العربي، وتقديم فرجات ممهورة بحسه الفني، الذي يفتح به عيون الكلام على عالم الفرجة حتى تظل منخرطة في المسرح الذي يريد تأصيله دون تغريب أو استلاب لأنه لا يريد أن يكون تابعا
تجارب وشهادات .. يحيى الحاج قراءة المزيد »









