مركز د.يوسف عايدابي للانتاج الفني الاعلامي

مقالات

الدكتور يوسف عايدابي رحيق الأمكنة .. عبير الأزمنة

أ.د. سعد يوسف عبيد    توطئة  : قصرت خطاي عن حضور تكريم مهرجان المسرح التجريبي في القاهرة في سبتمبر القادم لأستاذي د. يوسف عايدابي .. فرأيت أن أشارك المحتفين بملخص للفصل الأول من كتابي ( الدكتور يوسف عايدابي .. رحيق الأمكنة .. عبير الأزمنة ) الذي كانت الهيئة العربية للمسرح قد أصدرته عام 2015 تحـت عنوان ( المسرح الذي نريد ) ذلك الكتاب الذي ضم إلى جانب كتابي : رسالة اليوم العربي للمسرح 2015 للدكتور يوسف عايدابي و شهادة علمية كتبها عنه الدكتور عبد الرحمن بن زيدان بجانب بعض من مسرحيات د. عايدابي . أحاول هنا فحص سيرته ومسيرته لتبيان خاصية (التأسيس ) عنده وتأثره وتأثيره على حركة الثقافة في السودان ومجمل الوطن العربي .  عايدابي وسط عمالقة الأدب والمسرح في السودان : في البدايات الأولى لسبعينيات القرن الماضي كانت بداياتنا الأولى في بلاط طيب الذكر شيخ المسارح السودانية ( المسرح القومي بأمدرمان ) ، يومها كنا مجموعة من الشباب : عثمان جمال الدين و عثمان علي الفكي وعثمان البدوي وصفوان والسني و أحمد إسماعيل و .. و.. كنا نفترش الأرض حول مسطبة الفكي عبد الرحمن التي يجمع فيها الفكي حوله ثلة من نجوم المسرح والأدب والتقافة و الفنون .. العبادي .. أبو الروس .. حسن عبد المجيد .. خورشيد .. هاشم صديق .. مكي سنادة .. حسن موسى و أحمد الطيب زين العابدين و غيرهم . و وسط هؤلاء رأينا للمرة الأولى يوسف عايدابي . كانوا يناقشون قضايا كثيرة في المسرح والموسيقى والتشكيل وعموم ضروب الثقافة .. و في المسرحية المعروضة في تلك الليلة على خشبة المسرح .. تعلو أصواتهم وهم يختلفون أو يتفقون ثم يضحكون كل بضحكته ذات العلامة المميزة . أما نحن فكنا نكتفي بالإستماع إذ كنا نفهم بعض ما يقولون ويستعصي علينا جل ما نسمع منهم ولكننا نجعل منه موضوعاً لجلساتنا الخاصة عندما نختلي بأنفسنا . يومها لاحظنا أن عايدابي ، ذلك الشاب الطويل القامة النحيف الجسم ، يتحدث لغة مختلفة .. يركب الجمل بطريقة خاصة .. في صوته رنة مميزة و له طرح جديد مغاير لكنه شديد التسامح مع رواد المسرح من ذوي العصبية لمسرحهم التقليدي . ولاحظنا أنه كان هادئاً في مناقشاته رغم وعورة لغته ، فتقربنا إليه أو إقترب هو منا فوجدناه بسيطاً حد الإحتفاء بتجاربنا الأولى الساذجة و متواضعاً رغماً عن إسمه الرنان في صحف الخرطوم وراديو أمدرمان وتلفزيون السودان .. ورغماً عن رئاسته لقسم المسرح في أول معهد للموسيقى والمسرح في السودان قبل أن يجلس على كرسي العمادة فيه .. وبين الشعراء والمنظرين وجدناه شامة بشعره المختلف وتنظيراته المتعمقة إذ لفتت أشعاره ومسرحياته ونظرياته نقاد ذلك الزمان . و ما أدراك ما نقاد ذلك الزمان .  الأمكنة والأزمنة الباكرة : من هو الدكتور يوسف عايدابي ؟ قد تبدو الإجابة سهلة لو قسناها إلى رنين الإسم على مستوى الوطن العربي وبعض إفريقيا ، ولكن عند البدء في الإجابة يسفر السؤال عن مدى عسره وصعوبته ووعورته .. فذلك الرجل طويل القامة معنىً ومبنىً .. الدائب النشاط يستبطن قدراً كبيراً من إنكار الذات والتواضع أدى إلى عدم إحتفائه بما ينجز .. فلا يعلن عن نفسه ولا يوثق لإنجازاته ولا يحتفظ بالكثير من إبداعاته . الدكتور خالد المبارك ( في تقديمه للكتاب الذي صدر عن مسرح البقعة من تحرير علي مهدي وضم عدداً من أبحاث د.عايدابي و نشير إليه هنا ب (البقعة 2006) يصفه بأنه ( قامة شامخة في الحركة الثقافية السودانية شاعراً ومسرحياً وإدارياً ) قد لاحظ د. خالد تلك الخصلة في رفيقه حين قال عنه : ( المدهش أن د. يوسف عايدابي يظلم نفسه بالتواضع السوداني الشهير فلا يذكرإسهامه ) . بل إن د.عايدابي نفسه يعترف بشيء من ذلك في واحدة من الحوارات الصحفية الجيدة التي أجراها معه الناقد عصام أبوالقاسم يعدد الأسباب التي جعلت بعض الكتابات تهمل ذكر إسمه ضمن المؤسسين للغابة والصحراء فقال من بين ما قال : ( لأنني لم أنشر شعري أو أنني لم أجمع أشعاري التي نشرت بالصحف أو أن البعض غيبها بشكل أو بآخر ) (عصام 2006 : www.sudan-for all.org  ) ولذلك فإنني ، و برغم محاولاتي المتواصلة للحصول على المعلومات والوثائق عنه وحوله أحس بالنقص الذي يجب أن يكمله شخص ما .. في مكان ما.. يوماً ما. عندما أتأمل مسيرة أستاذنا الدكتور يوسف عايدابي عبر الأمكنة والأزمنة المتعددة ، أكاد أجزم بأنني إنما أتأمل شخوصاً متعددة في جسد واحد تحكمها فكرة واحدة و مبدأ واحد لا يتغيران ولكنهما ينموان عبر الأزمنة . إنها شخوص تمتص رحيق الأمكنة ولا تغادرها إلا بعد أن تترك عليها أثراً باقياً . يوسف عايدابي أصوله من البجا كبرى المجموعات القبلية في شرق السودان ، وقد تحدث عن هذه الأصول في حوار ثر مع الناقد راشد مصطفى بخيت قائلاً : ( فأنا مثلاً بجاوي الأصل من عيذاب الميناء القديم ) (راشد ب.ت : www.sudan-for all.org  ) إمتص بعضاً من سماتهم و ترك فيهم قصائده المطولة .. ونبش في تراثهم وصنع أفلاماً خلدت حيواتهم وموانيهم القديمة والمستحدثة . عاش طفولته وصباه الباكر في رفاعة جنوبي الخرطوم .. رفاعة التي سبقت بخت الرضا كمنارة من منارات التعليم الحديث في السودان في بواكير القرن العشرين حين أسس الشيخ بابكر بدري مدارسه هناك وأهمها أول مدرسة للبنات في السودان ، فكان مجتمعها مجتمعاً متعلماً .. ونساؤها المتعلمات هن اللائي أنجبن و ربين جيل يوسف عايدابي والأجيال السابقة له. و من رفاعة ومدرستها  –أيضاً- خرج إشعاع العروض المسرحية في السودان منذ العام 1903 . فكانت تلك رفاعة قبل مولد يوسف عايدابي بعشرات السنين. أما رفاعة التي عاشها عايدابي فكانت تعج بالنشاط الثقافي الذي انخرط فيه يوسف عايدابي .. ففي هذا المكان وذاك الزمان إمتص رحيق المسرح والشعر وعموم مفردات الثقافة ولكنه كعادته طبع على صفحتها عروضاً مسرحية ومثاقفات وعلاقات إنسانية قبل أن يغادرها للخرطوم العاصمة.   في خرطوم ما بعد الإستقلال .. ورومانيا .. و خرطوم السبعينيات : في خرطوم ما بعد الإستقلال ، التي كانت تشهد حراكاً ثقافياً وسياسياً وإجتماعياً عريضاً ، نفر عايدابي من التقليدية بكل أشكالها وانحاز إلى الطليعية ( حاولنا تقديم بعض النصوص في الجامعة على شاكلة مختلفة ، فمثلاً محمد عبد الحي وأنا وأبوذكرى وعلي عبد القيوم كنا نناقش ونقرأ للوركا ومايكوفيسكي و بعض الأدباء . وكنا نكتب مطولات بسيطة بها نفس ملحمي ) (راشد ب.ت : www.sudan-for all.org  ) ثم شكل مع ثلاثة من رفاقه جماعة الغابة والصحراء الشهيرة التي يقول عنها د. خالد المبارك ( أخذت الجماعة في مطلع الستينيات من القرن الماضي إسمها من عبارة للشاعر السينيغالي ليوبولد سينغور

الدكتور يوسف عايدابي رحيق الأمكنة .. عبير الأزمنة قراءة المزيد »

التوثيق بوصفه كتابة ثانية لذاكرة المسرح عند يوسف عايدابي قراءة في كتاب “الوافي في تراث المسرح في السودان”

د. بشار عليوي مخرج وناقد مسرحي _العراق تمهيد من بديهي القول, إن أزمة المسرح العربي اليوم, لا تتمثل في ندرة النصوص أو شحّ التجارب الإخراجية أو تراجع الإنتاج فحسب, وإنما تكمن, قبل ذلك في هشاشة الذاكرة التي تحفظ هذا التاريخ وتؤسس لاستمراره, فالمسرح بوصفه فناً لحظوياً يُقدم مُجسداً على خشبة المسرح ثُمَ لا يلبث أن يتوارى بوصفاً فن الفُرجة الحية حينما لا يبقى منه إلا ما تنجح هذهِ الذاكرة الثقافية في توثيقه وحفظه وتحويله إلى معرفة قابلة للتداول والبحث من قبل فواعل ثقافية, ومن هنا, فإن التوثيق لا يُعد عملاً مكملاً للممارسة المسرحية أو هامشاً لها, بل يُمثل أحد أهم شروط بقائها واستمرارها لأنه يُحول المنجز المسرحي من حدث عابر إلى مرجع تاريخي, ومن تجربة فردية إلى رصيد ثقافي تتناقله الأجيال. لقد عانى المسرح العربي على امتداد عقود طويلة, من فجوة واضحة بين وفرة النشاط المسرحي من جهة, وضعف مشاريع التوثيق العلمي من جهة أخرى. فكثير من العروض والنصوص والوثائق والصور والشهادات والبيانات التاريخية ضاعت أو بقيت حبيسة الأرشيفات الشخصية, وفي هذا السياق, يكتسب كتاب “الوافي في تراث المسرح في السودان” الصادر حديثاً عن الهيئة العربية للمسرح للدكتور يوسف عايدابي أهمية استثنائية, ليس بوصفه كتاباً يؤرخ للمسرح السوداني فحسب, وإنما باعتباره مشروعاً معرفياً يسعى إلى إعادة بناء ذاكرة مسرحية كاملة عبر جمع المادة المتناثرة وتوثيقها وتصنيفها وإعادة تقديمها ضمن نسق علمي يتيح للباحثين والدارسين والمهتمين الوقوف على تطورات المسرح السوداني ومراحله ورموزه وتحولاته. فالكتاب لا يقدم سرداً تاريخياً تقليدياً, بقدر ما يؤسس لبنية مرجعية شاملة تجعل من التوثيق نفسه فعلاً ثقافياً يوازي في أهميته فعل الإبداع المسرحي, ولا تنبع قيمة هذا المنجز من موضوعه وحده, بل من شخصية مؤلفه أيضاً, فالدكتور يوسف عايدابي ليس باحثاً جاء إلى المسرح من خارجه, وإنما هو أحد صناع الحركة المسرحية السودانية الحديثة, وممن أسهموا في صياغة أسئلتها الفكرية والجمالية منذ ستينيات القرن الماضي وهو في الوقت نفسه شاعر وكاتب مسرحي وناقد وأكاديمي ومخطط ثقافي جمع بين التجربة الإبداعية والممارسة المؤسسية والعمل البحثي الأمر الذي منح مشروعه التوثيقي بعداً معرفياً يتجاوز حدود التسجيل التاريخي إلى قراءة الثقافة المسرحية بوصفها نتاجاً للحياة الاجتماعية والفكرية في السودان, ولعل هذه الخلفية الفكرية هي التي تجعل هذا الكتاب امتداداً طبيعياً لمسيرة طويلة انشغل فيها “عايدابي” بسؤال الهوية الثقافية السودانية وبالعلاقة بين التراث والمسرح وبين الموروث الشعبي والحداثة, وبين الخصوصية الوطنية والانتماء العربي والإفريقي. فمنذ تنظيره لفكرة (مسرح لعموم أهل السودان) في سبعينيات القرن الماضي, ظل “عايدابي” ينظر إلى المسرح باعتباره فضاءً جامعاً للتعدد الثقافي ومجالاً لإعادة اكتشاف الشخصية السودانية في تنوعها اللغوي والإثني والثقافي ومن هنا فإن انتقاله لاحقاً إلى مشروع التوثيق لا يمثل تحولاً في اهتماماته, بقدر ما يعبر عن تطور طبيعي في مسار مشروعه الفكر, إذ لا يمكن الدفاع عن هوية ثقافية من دون حفظ ذاكرتها ولا يمكن كتابة تاريخ المسرح من دون بناء أرشيف علمي متين. لا يمكن قراءة هذا الكتاب بمعزل عن التحولات الكبرى التي شهدها المسرح العربي خلال العقود الأخيرة, وفي مقدمتها صعود المشاريع المؤسسية الهادفة إلى توثيق التجارب المسرحية العربية, وفي طليعتها مشاريع الهيئة العربية للمسرح في الشارقة, التي اضطلعت بدور محوري في نشر الدراسات المرجعية, وإحياء الذاكرة المسرحية العربية, وإطلاق مبادرات نوعية في مجالات التوثيق والبحث والنقد والتكوين. وقد كان الدكتور يوسف عايدابي واحداً من أبرز العقول التي أسهمت في ولادة هذه المشاريع وصياغة رؤاها. يوسف عايدابي … مشروع ثقافي حين يُذكر اسم د.عايدابي في سياق المسرح العربي, فإن الذهن لا ينصرف إلى كاتب مسرحي أو ناقد أو أكاديمي فحسب وإنما إلى مشروع ثقافي متكامل تشكل عبر أكثر من ستة عقود من الاشتغال المتواصل بالإبداع والبحث والتخطيط الثقافي والعمل المؤسسي فالرجل الذي بدأ رحلته الأدبية في مطلع ستينيات القرن العشرين بنشر قصته (حبيبتي ومحارات البحار السبعة) في مجلة الأديب اللبنانية لم يكن يدرك آنذاك أن مسيرته ستغدو واحدة من أكثر التجارب العربية تأثيراً في الجمع بين الفكر المسرحي والتوثيق الثقافي وصناعة المؤسسات, وأن اسمه سيغدو لاحقاً مرادفاً لجملة من المشاريع التي أسهمت في إعادة تشكيل المشهد المسرحي في السودان والإمارات, وفي فضاء المسرح العربي بصورة عامة. ولا تكمن خصوصية د.عايدابي في تعدد صفاته المهنية بقدر ما تكمن في وحدة مشروعه الفكري, فهو شاعر وكاتب مسرحي وناقد وباحث وأكاديمي ومخطط ثقافي وإداري, إلا أن هذه المسارات لم تكن متجاورة أو متوازية بل كانت تصب جميعها في رؤية واحدة ترى في الثقافة مشروعاً حضارياً متكاملاً, وفي المسرح وسيلة لفهم المجتمع وإعادة إنتاج وعيه بذاته لذلك ظل انتقاله بين الكتابة الإبداعية والبحث الأكاديمي والعمل الإداري والتوثيق, انتقالاً عضوياً لا تحكمه المصادفة بل تفرضه طبيعة المشروع الذي انشغل به منذ سنواته الأولى, فقد شكّلت دراسته الأكاديمية في رومانيا وحصوله على درجة الدكتوراه في تاريخ ونظرية المسرح عن أطروحته الموسومة “توظيف الأساطير في المسرح العربي المعاصر” منعطفاً مهماً في تكوينه العلمي فهذه الدراسة لم تمنحه أدوات البحث المقارن فحسب, بل وسّعت أفقه في النظر إلى المسرح باعتباره ظاهرة ثقافية تتقاطع فيها الأسطورة والتاريخ والهوية والذاكرة, وربما يفسر ذلك اهتمامه اللاحق بالتراث الشعبي وبالموروثات الثقافية, وبالعلاقة بين المسرح والهوية الوطنية وهي الموضوعات التي ستصبح لاحقاً محاور ثابتة في معظم كتاباته النظرية والنقدية. ولعل أكثر ما يميز مشروع د.عايدابي الفكري هو انشغاله المبكر بسؤال الهوية السودانية وهو السؤال الذي كان في سبعينيات القرن الماضي أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في الثقافة السوداني  فقد جاء تنظيره لمفهوم “مسرح لعموم أهل السودان” بوصفه محاولة لتجاوز الثنائية التقليدية بين الثقافة العربية والثقافة الإفريقية والدعوة إلى مسرح يعبر عن التعدد الثقافي الذي يميز المجتمع السوداني وينطلق من الاعتراف بأن الهوية السودانية ليست هوية أحادية أو مغلقة وإنما هي حصيلة تفاعل تاريخي بين روافد حضارية متعددة. ومن هنا جاءت مسرحيته الشهيرة “حصان البياحة” عام 1974 تجسيداً عملياً لهذه الرؤية إذ لم تكن مجرد نص مسرحي, بل بياناً ثقافياً يترجم تصوره النظري لمسرح قادر على مخاطبة جميع السودانيين, بعيداً عن الإقصاء أو الاحتكار الثقافي, ولم يكن هذا التصور منفصلاً عن مشاركته الفكرية في تأسيس تيار (الغابة والصحراء) إلى جانب الراحل محمد عبد الحي وعدد من المثقفين السودانيين, ذلك التيار الذي أعاد طرح سؤال الهوية السودانية من منظور يرى السودان فضاءً يلتقي فيه البعدان العربي والإفريقي ويتفاعلان في إنتاج ثقافة ذات خصوصية تاريخية وجمالية, وإذا كان هذا التيار قد تجلى في الشعر والرواية والفنون التشكيلية, فإن عايدابي نقل روحه إلى المسرح, حيث سعى إلى بناء خطاب مسرحي ينطلق من التراث المحلي دون أن ينغلق عليه, ويستفيد من المنجز المسرحي العالمي دون أن يفقد خصوصيته الثقافية. أن ما يلفت الانتباه في تجربة د. يوسف عايدابي هو أنه

التوثيق بوصفه كتابة ثانية لذاكرة المسرح عند يوسف عايدابي قراءة في كتاب “الوافي في تراث المسرح في السودان” قراءة المزيد »

” قراءة في كتاب الوافي في تاريخ المسرح في السوان “

نورس عادل /العراق ..الواحدُ لا يكونُ إلا بالآخر… ثمّةَ جملةٌ عميقةٌ تتكسر على أعتابها نوايا التكاسل لقارئٍ ما لتمثل عنده نقطةَ تحولٍ لمزاج جاذبٍ يدعمُ ميولهُ في اكمالِ قراءةِ ما بدأهُ، جملةٌ وثيقة الصّلة بمعنىً فارق شكّلتهُ التجربة الكتابية لديه لتضعه خارجَ اسرابِ من يستثمرُ اللغة في الكتابة ولا يوظّف آلياتها بالتفكُّر، فالقراءةُ عادةً لا تشمل خياراً ثالثاً فإما أن تولدَ ميتةً كجنينٍ ألتفت حول عنقه مشيمتهُ المغذيةُ لتحاصرَ انفاسه قبل أن يولدَ وقبل أن يتاح له حضوره الخاص في أفقٍ من انطولوجيا الانتظار ، أو أن تشرقَ تلك القراءةُ بفواعلَ تنبثقُ عنها حياةٌ قادمة بأسرارها وسرديتها الخاصة وتضع روحها وسريرتها بين يدي قارئٍ يدحضُ الغياب عنها عبر تعشيق زمنهِ الخاص بالازمنة المتعددة لماهية النّص وجوهرهِ في الوجود الثقافي، حينئذٍ فقط تتفتح ازاهير  الاسئلة عن هوامش نص وتصعدُ من قرارتها الى مقدّماتهِ وتنتاب القارئَ حالةٌ أقرب ما تكون الى ولوجِ صدعٍ تتولد فيه المعرفة ما بين العيانِ والتفكُّرِ والمشاركةِ، ولا سيَّما عند حدود التعاطي الذي يفرضه عَقدُ النص عبر تمريرِ حسبةٍ مغايرةٍ وحساسيّات فارقة تجعلُ القارئَ يتنقل ما بين حس الامتاع ولذةِ الكشفِ ومكرِ التربُّص واستدراجِ مقدرته على الاشتباك مع المرجعياتِ الفكريةِ والمراجعاتِ الجمالية لبنية النَّص ومفازاتهِ …. يحدثُ كل ذلك عبر ما تكتنزه جملةٌ واحدةٌ لها أن تمُرَّ على البعض مجردة وعابرة ما بين آلاف الجمل، حسناً فالحساسيات تختلفُ من ذاتٍ لأخرى وقد تُشكل عند آخرين أثراً للحقيقةِ المبتغاة ومفترق طرقٍ لتربص وشغفٍ وفضول يتأتَّى بالتوالد فتعاد على وفق مرادهِ صياغات مغايرة لرؤى واستراتيجية مختلفةٍ تُعيدُ النظرَ  إلى النص وما يضمرهُ من مقدرة على مفاتحة وتحرير  العديد من قنوات الاتصال ما بين زمن القارئ ونواياهُ المُسبَقةِ وبين أزمنة النص المتعددة بادئ ذي بدء ، بخاصة إذا ما تصدَّرت هذه الجملة ملحوظات مقدمة لمجلد ضخم يسعى مُؤلِّفهُ جاهداً لتوخي سبل التوثيق المنهجي والعلمي لتاريخ طويل من الممارسات الفنية والمسرحية لشعب ينتمي له هذا المُؤلِف ويُقدس وجوده وقيمه ويسهم في استلهام حضوره على نحو متفرد …وعلى أي حالٍ لن نجد بد من الإشارة إلى أن أي قراءة لن تمثل سوى محاولة تصطنعها وريقات معدودة أمام المئات من صفحات ضمتها عناية مُؤَلف يزيد عن (760) صفحة ولن يتحقق مراد مقال واحد في الايفاء بالجهود المبذولة بين مغلفي كتاب ( الوافي في تاريخ المسرح في السوداني _ من عروض مسارح الجاليات إلى مواسم المسرح القومي ) لمؤلفه (الدكتور يوسف عايدابي) وهو مجلد ضخم يضم (ستة اجزاء) من القطع المتوسط وقد صدر  في (طبعته الاولى) ضمن حقل الدراسات للعام(2025) عن الامانة العامة للهيئة العربية للمسرح / الشارقة.. فبالرغم من كونه يقع ضمن مراد التوثيق إلا أنه يقيم حيداً خاصاً من مسافة جمالية مغايرة تشي بدور يقترن بالراوي الموثوق تارةً وبالناقد السارد والمحلل تارةً أخرى، فالمُؤلِّفُ يعمد إلى تعضيد مسائلاته النقدية التي تتعشق بسمارها التواريخ وتستحضر  بمسامرتها مقدرةً شفيفة تضطلعُ بمهام تجسير العلاقة ما بين ذاكرة وفم وما بين نوايا صادقة لأصابع صقلتها اوجاع التجربة الفنية والانسانية، هذه النوايا التي لن تخالف تصور قارئ اسعفتهُ فرصة التعرف على شخصية الدكتور عايدابي هذه الشخصية التي لم تترجل عن فضاءات المشهد الثقافي العربي منذ أكثر من نصف قرن، بل ولم تخالف كتاباتهُ طباعهُ المتفردة ولم تخرج عن مدارها المتُصوّر لمثقفٍ موسوعي نبيل .. تلك الشخصية القريبة على قلب كل من يتعرف عليها أو يلامس روحها الشفيفة عن قربٍ، فهو المسرحي العربي الذي يزاول المسرح نقداً وكتابةً وصحافة وتنظير ، وهو ذاته الذي اضطلع بمهام تعرية تواريخ المُستعمِر  في بنية المشهد المسرحي العربي وعمل على تعضيد العديد من عمليات تأصيل التجربة المسرحية العربية حيثما كان آملاً في دحض عوامل النسيان التي تحاول أن تواري بالسكوت والاهمال تاريخاً طويلاً من الحراك العنيد الذي جسدته تلك التجربة، بخاصة للذين اسهموا بصناعتها وعاشوا لحظات مجدها وتعرفوا على الجهود الحثيثة التي صنعت وجوده عبر أكثر من قرن من زمن التجربة المسرحية العربية، ومع هذا لا تجده يعمد إلى الغاء أثر الآخر أو يمارس الاحتيال على مقدرة الثقافات وخصيصتها الأبدية بالتعابر  والتناسج واجتيازها الدائب لحدود الارض والوعي بعناد جيني أو باصطناع تواريخ زائفة أو بتزويق هويات هاربة عن مدار الحقيقة  ” فالواحدُ لا يكونُ إلا بالآخر ” وربَّ جملة قادرة على توريط قارئ كان ينوي العُجالةَ في تقليب صفحات كتاب أثقل من أن تحمله يدٌ واحدةٌ.. جملة تمتلك مقدرة التمكين الدراماتورجي وهي تعيد صياغة النوايا المُسبَقَة لمن لم يكن ينوي أن يخوض حيداً من مسائلات التجربة المسرحية لبلاد لطالما تآكلتها المحن وقُوِضت فضاءاتها الحرة بالحروب المستعصية وبالكوارث الطبيعية التي تغدق عليها وكأنها هِبات الابد ومشيئة الرب الأحد.. تلك البلاد التي ما عادت تمارس المسرح ولا المهرجانات بالسهولة ذاتها التي تمارسها البلدان المجاورة  وكلنا يفهم الأسباب ويدرك أثر المتغير الاجتماعي والراهن السياسي على ديمومة المسرح في أي بقعة من بقاع الارض.. ” ففي أم درمان عرفنا المسرح القومي ” هكذا يصف الدكتور عايدابي صعوبات انبثاق المسرح بصورته الحديثة ”  وهو مسرح مكشوف مفتوح على السماء على صوت الرعد وتساقط الامطار، على ضجيج الشارع وابواق السيارات على فيضان النيل وتعطل الكهرباء بسبب المياه.. هو ذا مسرح ليس كالمسرح ” (ص220) ففي بلاده وعبر مراحل انبثاقه المبكرة جاءت ولادة المسرح بعسر ، ففي العام (1903) ( بحسبه )كان التاريخ يزاول فرائضه لانبثاق المسرح الحديث في السودان على يد (البار بابكر صدقي) الذي عده المؤلف الأب الروحي لتلك الانعطافة والمفترق التأسيسي لطرق المسرح التي تمايزت عن ما قبله من تجارب الفرجة والفلوكلور ذات الطابع الشعبي الذي أرتبط بجذور الممارسات القبلية والمجتمعية ” مثل فرجات الزفاف/ والسيرة/ وموكب العرائس/ومراسم العزاء ذات الطقوس المتنوعة/ ومراسم الزار…إلخ “ص(221) وما بعد ذلك التاريخ حيث أعيد تشكيل التجربة المسرحية بالمزامنة والاتساق مع فتح دور التعليم وربط التجربة الفرجوية بقنوات الدرس التي ظهرت بالتزامن معها ومع افتتاح اول المدارس في بلاد السودان.. فقد عني الجزء الاول من هذا المُؤَلَّف بتسليط الضوء على التجارب المسرحية لتلك العروض التي صحبتها الجاليات الوافدة إلى السودان في بدايات القرن العشرين بدءً من المسرح في المدرسة الذي مثلته النشاطات اللاصفيّة لحفلات التخرج والمناسبات الخيرية أو تلك التي تضمنت شكلاً من أشكال الاحتفاء بالزيارات الرسمية لبعض الشخصيات الهامة آنذاك، ولعلَّ أهمها البادرة التي بدرتها مدرسة (البنات للرسالة الكاثوليكية) التي سمحت للبنات في أن يقدمن رواية أدبية على شكل مسرحية وأن يمثلن فيها ، كما وثّقَ هذا الجزء لظهور اول جمعية للتمثيل في السودان( جمعية التمثيل) والتي اعدت منهاجاً اسبوعياً يقترن بمفهوم الربرتوار  في تقديم عروضها المسرحية فيما زاولت بعض الفرق المسرحية الأُخرى ممارستها الفنية عبر تقديم عروضها في المقهى الذي (يراهُ المُؤلِّف) البادرة التأسيسية التي أفضت إلى افتتاح

” قراءة في كتاب الوافي في تاريخ المسرح في السوان “ قراءة المزيد »

الوافي في تاريخ المسرح في السودان

  أبوطالب محمد طالعت في أبريل الجاري ٢٠٢٦ موسوعة مسرحية مهمة صدرت عن الهيئة العربية للمسرح ٢٠٢٥م، أعدها وحققها للنشر دكتور يوسف عايدابي -سادن تراث المسرح ومحققه. تقع موسوعته في سبعمائة خمسة وستين صفحة، تزامن صدورها في زمن عصيب، تعقّدت فيه سُبُل الحياة، وكثرت فيه الزعازع، وتفرّق فيه الناس أيدي سبأ، تشتت فيه أصحاب الصنعة المسرحية، منهم مَن قضى نحبه ومنهم مَن ينتظر ولم يبدل تبديلا، وكثرت فيه اللايفات الفاجرة تؤسس للفتن بين الناس، وعمّ فيه الغبن الاجتماعي القاصي والداني، لا أحد يفكّر ولا مؤسسة تهتم بالإرث الثقافي والمسرحي على وجه الخصوص، الكُل في غيبوبة تامة. نظرت في صفحات الموسوعة ورأيت الجهد المبذول والتسلسل التاريخي للتوثيق المسرحي، وتبادر لذهني أعمال توثيقية كثيرة عن التاريخي الاجتماعي، مثل: (موسوعة القبائل والأنساب، وقاموس اللهجة العامية في السودان، وتاريخ حلفا يا الملوك لعون الشريف قاسم، وكتابي (حياتي والأمثال الشعبية) لبابكر بدري ومنها الأدبي مثل (المرشد لفهم أشعار العرب وصياغتها) للبروفيسر عبد الله الطيب، و(جغرافيا وتاريخ السودان) لنعوم شقير، وغيرها الكثير من المؤلفات، الفكرية والتوثيقية حتى المنجز الذي رصده المستعمر تناولت الموروث السوداني. سارت موسوعة الوافي على خطى هذه المنجزات الفكرية، وسوف تكون منجز خالد. لم يتقيد د. يوسف عايدابي في الوقت الراهن بموسوعة الوافي فقط، بل أصدر غيرها العديد المفيد من الدراسات النقدية والأعمال المسرحية طيلت فترة الحرب، فإذن هذه الأعمال حلقة وصل لنشاط مسرحي بين الأجيال. الموسوعة (الوافي) قيد الاحتفاء – منجز كبير وسفر عظيم وتوثيق رصين لمنتوج مسرحي مهم، وهي لا تقل جهداً من الأعمال التوثيقة الفكرية المشار إليها أعلاه، رصدت (الوافي) وتتبعت خطى المسرح السوداني من بداياته الباكرة حتى وصول محطة المواسم المسرحية في سبعينات القرن الماضي. ضمت الموسوعة ستة أجزاء؛ كل جزء يكمل لما بعده وهي محطّات أساسية في تاريخ المسرح السوداني : الجزء الأول (المسرح الوافد في بدايات القرن العشرين – مسرح الجاليات المصرية والسورية وإسهامها الرائد في بدايات المسرح السوداني). الجزء الثاني (بواكير النهضة المسرحية)، خصص لإنتاج القرن العشرين من فرق وروّاد وأعمال في الفترات الممتدة من الخمسينيات حتى السبعينيات، أما الجزء الثالث (المسرح القومي – ثمار المواسم)، امتداد للفترات السابقة، حيث تداخل فيه الحراك المسرحي، وضم المواسم المسرحية، وظهور فرقة الراحل الفاضل سعيد والفكي عبد الرحمن وغيرهما، أما الجزء الرابع (المسرحيون الرواد ١٩١٨ / 1978م)، أشارت فيه الموسوعة لإسهام صديق فريق وعبد الرحمن علي طه وأحمد الطيب أحمد في بخت الرضا ودورهم المعطاة لجمهور المسرح آنذاك، الجزء الخامس (كتاب النقد – نحو مسرح سوداني)، إسهام معاوية محمد نور وظهور يوسف مصطفى التني بمعجمه المسرحي الذي جارى فيه (كتاب فن الشعر) لأرسطو، أما الجزء السادس خصصه لـ (دليل المسرح السوداني – العروض المسرحية ١٨٩٩/ 1969. ببليوغرافبا للعروض المسرحية التي عرضت في مسيرة المسرح السوداني). تضيء الوافي طرق منسية لرجال ساهموا في نهضة المسرح السوداني وتأسيس خطابه التنويري ، أمثال معاوية محمد نور الذي بدأت كتاباته تنشر على الصحف ومنظري الغرب المعاصرين في بدايات طريقهم للبحث المسرحي، ويوسف مصطفى التني وأحمد الطيب أحمد وغيرهم من الرواد السابقين. تعطي الوافي معلومات إضافية عن جيل معرفتنا عنه ضامرة

الوافي في تاريخ المسرح في السودان قراءة المزيد »

الوافي في تاريخ المسرح في السودان جمعه وأعده: د. يوسف عايدابي

تقدمة وتلخيص : مصعب الصاوي ​ إعداد “جمهرة ” موسوعية عن المسرح والحياة المسرحية في السودان ليس بالمهمة السهلة التي يخف لإعدادها كل مجتهد أو هاوٍ أو متطوع، وإنما هي من ضروب الأشغال الشاقة التي تتطلب من المتصدي لها معرفة راسخة وواثقة بتاريخ المسرح في السودان .. مساراته وتطوره ، تياراته ورموزه وأعلامه ومصادره معرفة الإنسان المتمكث الثبت والناقد الصيرفي صاحب العقل الراجح والمثابرة والأناة. ​وليس أجدر من الدكتور يوسف عايدابي بهذه المهمة فالأستاذ ليس ضيفاً عابراً على المشهد المسرحي السوداني، بل ظل صانعاً ومؤثراً وفاعلاً فيه منذ ميعة الصبا وشرخ الشباب وحتى يوم الناس هذا. وحاله مع المسرح وأهله كحال التجاني يوسف بشير والمعهد العلمي: ​”هو معهدي ولئن حفظت صنيعه .. فأنا ابن سرحته الذي غنى به” ​إذن  فإصدار موسوعة عن الحياة المسرحية السودانية في مصنفه “الوافي” هو ثمرة لغراس بعيد بدأه منذ تجشّم أول شبابه الهجرة لطلب علوم المسرح والسينما في مظانها الأوربية، ونال الدكتوراة في تاريخ ونظرية المسرح من جامعة بوخارست برومانيا عام 1979م “في بلاد تموت من البرد حيتانها”. ​وعاد إلى وطنه السودان ليتصل إنشغاله بأمر المسرح في رواق المعهد العالي للموسيقى والمسرح . كذلك لم يغب المسرح عن باله إدارياً ومخططاً ثقافياً في مصلحة الثقافة في السودان ومعداً لبرنامج “فنون” بالإذاعة السودانية، ومشاركاً في أزهى مواسمه  بأعمال مسرحية من تأليفه، ومنظراً “لمسرح عموم أهل السودان” في أدبيات ذلك الزمان الخصيب ولاريب أنه نقل بعضاً من تجاربه تلك حين تسلم قيادة الشأن الثقافي والإعلامي بشارقة الأنوارالتي تشهد بكسبه وسبقه في إرساء قواعد الاهتمام بالمسرح تطبيقاً وتنظيراً، حتى صارت الشارقة وجهة عربية مسرحية تهوي إليها أفئدة المسرحيين من كل حدب وصوب بفضله تعالى ثم برعاية ودعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة. ​وامتدت وجوه عطاء الدكتور يوسف إلى “الهيئة العربية للمسرح” صاحبة إصدار هذا المصنف والتي ظلت تقوم بأدوار في خدمة النشاط المسرحي العربي نُعد منها ولا نعدّدها. إن مهمة التصدي لإعداد هذه الانطولوجيا الضخمة عمل لا يشترط فقط فيه العلم والإمكانات المعرفية المؤهلة، وإنما العزيمة والشغف والانقطاع لهذا الفن فن المسرح ، “فإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام” . لكل ما تقدم وأكثر فالدكتور يوسف مؤهل وزيادة لإعداد هذا العمل المثمر المبارك. ​في وطننا السودان تحفظ الذاكرة الثقافية للدكتور يوسف عدة مآثر فهو مساهم وشريك أصيل في صياغة تيار “الغابة والصحراء” مع رفقة طيبة من نجباء السودان ومبدعيه ” د. محمد عبد الحي، ومحمد المكي إبراهيم ، النورعثمان أبكر” وهو التيار الفكري المعاصر الذي فجر سؤال الهوية في الثقافة السودانية ونبّه للسودان “الآفرو-عروبي” عبر تطبيقات مباشرة في الإبداع. يتوازى هذا التيار مع مدرسة الخرطوم التشكيلية وروادها الفنان إبراهيم الصلحي والفنان شبرين. ​أما المأثرة الثقافية الثانية للدكتور أنه إفترع إتجاهاً نظرياً عن المسرح في السودان الفرجة والتطبيق والعلاقة بالجمهور عُرف في أدبيات ذلك الزمان بـ “مسرح لعموم أهل السودان في سبيل تعددية وتنوع ثقافي في بلاد السودان”.  لكل ما تقدم فإن تصدي الدكتور لهذا العمل إنما لما هو به أهلٌ وأجدر، هذه الجمهرة ليست بطبيعة الحال محض “أسمارليل في الصباح تضيع” وإنما شغف إمتد لعقود من الزمان كانت فيه المصادر عن المسرح السوداني شحيحة بل “أندر من أسنان الدجاج”، والحكايات عنه محض روايات شفهية، والعناية بأمر التوثيق أقرب إلى “وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه” ورغم ذلك كان الدكتور من القلة النادرة التي سهرت على نار المسرح المقدسة، مثل فارماس وهو يحرس النار في مسرحية نبتة حبيبتي، برفقة حبيبته سالي والتي تماثلها عنده رفيقة دربه صاحبة الإهداء الأستاذة الفنانة المسرحية نادية جابر، لأنه جهد يتوازى ورحلة عمر بحاله شاركته فيه صاحبة الإهداء. ​ الرؤية والمنهج ​تتأسس منهجية كتاب “الوافي” كسفر جامع على عدة تكوينات مركبة من مذاهب التأليف، منها ما هو تراثي ومنها ما هو حداثوي عصري. يظهر الأثر التراثي في هذا المصنف مستأنساً بقوالب عرض وجمع المادة بالأسلوب التراثي الكلاسيكي لما فيه من سعة وغنى وتنوع وشمول خاصة في المصنفات الأدبية التاريخية الكبرى كـ “الطبقات الكبرى” و”الأغاني” و”أسد الغابة” والحماسة وتاريخ الطبري وموسوعات الأعلام، حيث تجد أن قوالب الموسوعات التراثية تحتوي على خيارات لا متناهية من ألوان الكتابة تجمع بين ​الببلوغرافيا والعرض والإستشهاد والسيرة الغيرية والمساجلات والاقتباس والشواهد والفوائد البلاغية واللغوية والإحالات إلى مصادر أخرى. ​الدكتور يوسف شغوف بكتاب “الطبقات” لود ضيف الله ولعله أراد لنا في “الوافي” أن نتعرف على كرامات أهل المسرح بدلاً عن  كرامات الأولياء . إذ أن “الوافي” لم يقدم لنا فقط سيرة المسرح مجردة بل مشحونة بحواشي العصر والأفكار السائدة والقيم المجتمعية بين الرفض والقبول، مع المقارنة والقياس والمقاربات والجرح والتعديل والموازنة والتحقق من المصادر وضبطها بطريقة علمية. ​والأثر التراثي في تأليف دكتور يوسف يظهر في حرصه على أن يُري القارئ “المزاج العام” وليس فقط جملة من المعلومات المتراصة، هذا دون أن يغفل مناهج التحليل النقدي المعاصر واستخلاص مقولات فكرية لكل فترة من فترات تاريخ المسرح في السودان. زمنياً تتبع كتاب الوافي خط التطور التاريخي التراكمي Chronological  من ناحية وربط هذا الخط التتابعي بتحليل المحتوى الاجتماعي لفهم الظاهرة المسرحية في سياقها الاجتماعي وتفسيرها، كما يقول المتصوفة “الحال مخلوق الوقت أو لكل أوانٍ حال”.   ​التفكيك والتركيب ​دعت ندرة المصادر في بعض الحقب التاريخية من تاريخ المسرح إلى إعمال آلية “التفكيك والتركيب” بهدف سد فجوة غياب المصادر وهي من الاتجاهات المنهجية المعاصرة في النقد والتحليل وأبرز فلاسفتها في هذا العصر جاك دريده الفيلسوف والباحث الجمالي الفرنسي من أجل ذلك مثلاً نظر المؤلف في مصادر غير مسرحية بمعنى أنها مصنفات لم تُكتب للمسرح خاصة وإنما تؤمن مادتها إضاءات نفسية ومجتمعية يمكن أن تفيد في إلقاء الضوء على الظاهرة المسرحية في الوطن مثل كتاب “ملامح من المجتمع السوداني” للأستاذ حسن نجيلة ومثل كتابات في التاريخ الاجتماعي العام  ومنها سيّر أعلام ومبدعين في في مجالات أخرى كالشعر والأدب مثلاً  ومنها وثائق أرشيفية لصُّحف، ولا ننسى ما كُتب في مجلتي “الفجر والنهضة”. إشتغلت آلية التفكيك والتركيب كذلك على التوازن بين انسيابية النص “المجرى الرئيسي للمحتوى السردي” دون إثقاله بالهوامش والمتون والشروحات وتحويلها كأجزاء فنية إلى فهارس جانبية للمستزيد، سواء داخل المتن نفسه أو في نهاية كل فصل على حدة. وحالة إثقال النص بالهوامش والفهارس من التحديات التي تواجهها معظم المصنفات ذات الطبيعة الموسوعية.   ​كيفية معالجة الرسائل والبحوث ​في ذات السياق المنهجي استطاع الدكتور يوسف معالجة بعض الرسائل الأكاديمية في الشأن المسرحي والمدونات الأكاديمية بإستخلاص زبدة القول فيها بعد تخليصها من أثقال مطلوبات البحث العلمي التي تكتب بغرض الإجازة والوفاء بمطلوبات الرسائل الجامعية، بإرفاق بيبلوغرافيا مفصلة عن أصحابها ومن ثم وضع الرسائل نفسها في السياق الزمني

الوافي في تاريخ المسرح في السودان جمعه وأعده: د. يوسف عايدابي قراءة المزيد »

عايدابي يكرمنا بتكريمه

المفكر والمبدع والمستشار القدير الدكتور يوسف عايدابي،  قامة كبيرة في عالم الفكر والثقافة والمسرح في وطننا العربي ، حملت على عاتقها هموم المسرح والثقافة في وطننا العربي ، قامة اختزلت كل تجاربنا الثقافية في وطننا العربي واولتها كبير اهتمامها وقدمتها لنا في صور إبداعية مشرفة خلاقة من خلال مجلات ودوريات وكتب مسرحية وثقافية تزينت بها أغلب مكتباتنا في الوطن العربي  ، ومن خلال ندوات فكرية أعد لها وأشرف عليها وخاصة ملتقيات الهيئة العربية للمسرح التي تنظمها الهيئة في أغلب عواصمنا العربية . هو المفكر والاب الحاني والحريص كل الحرص على أن يقدم أبنائه المبدعين أجمل وابدع ما لديهم من إبداعات ونتاجات ثقافية .. المفكر العايدابي لمن لا يعلم منح عينيه البصيرتين من أجل الثقافة والمسرح ومن أجلنا نحن،  وهما اللتين أعز ماعنده وما عندنا من كل شيء ، يعتكف يومه كاملا في الاشتغال على دارة شيخ الثقافة والفكر والمسرح الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة الرئيس الأعلى للهيئة العربية للمسرح حفظه الله وأدام عليه نعمة الصحة والعافية،  ويمضي جل وقته موزعا بين اهتمامات ثقافية ومسرحية عدة،  ومن بينها دورية المسرح العربي،  وهي واحدة من أهم الدوريات المسرحية العربية،  إلى جانب انشغالاته الكثيرة في شؤون المسرح بأمارة الشارقة والوطن العربي.. ان أغلب أصدقائه بمختلف أعمارهم واهتماماتهم الثقافية جمعته بهم إنجازات وثقتها هذه الدوريات والكتب النفيسة التي يشرف على إصدارها.. الدكتور عايدابي عندما تلتقي به تشعر وكما لو أنه لم يغادر قط مقعد القراءة والمراجعة من أول ما وطئت قدماه أرض الشارقة،  تشعر وكما لو أن نصيبه من الراحة حلما مؤرقا ينتظر غده لمجاورته ومحاورته والاحتفاء به عبر ندوة فكرية أو مجلة أو دورية أو كتاب أو مهرجان مسرحي . لقد كان تأثير الدكتور عايدابي على الثقافة في الامارات منذ استقرت احماله واعماله الثقافية فيها وبين أهلها،  هو علم لا تخطؤه عيون اهل الثقافة في دولة الإمارات منذ ذلك الحين. ربطتني من حسن حظي به علاقة طويلة منذ ثمانينيات القرن الماضي،  وكان واحدا من أهم المحفزين لي على الكتابة حتى يومنا هذا ، وكلما التقينا ذكرني بنص قرأه لي في وقت مبكر من العمر ولا يزال مشغولا بالتفكير فيه ، وحفزني على الكتابة وعاتبني كثيرا على كسلي في اصدار كتاب أو كتب تليق من وجهة نظره بهذه التجربة الثرة،  حتى جاء اليوم الذي أعلن فرحه فيه عندما اصدرت كتابا عن تجربة صديق العمر ورفقة الدرب المخرج الكبير الراحل عبدالله السعداوي تحت عنوان( السعداوي.. مسرح بلا حدود ) ومن بعدها توالت الإصدارات في مواقع ثقافية محتلفة في وطننا العربي . ان ما يذهلني في المعلم الكبير دكتور عايدابي بجانب ما ذكرت،  موسوعيته اللامتناهية والمامه الغزير المبحر في كل ثقافات واداب وطننا العربي ، قديمها وجديدها ومراحل تطورها وانعطافاتها التحولية الغريبة،  فهو موسوعي بمعنى الكلمة،  وذات مرة ، بل وفي أول لقاء معه  في ثمانينيات القرن الماضي، اذهلني بمعرفته بشخصيات وقامات الادب والثقافة في مملكة البحرين،  والذين بعضهم لي علاقة حميمة به ، ومن بينهم الكاتب حسن مدن الذي جاوره هم الثقافة لفترة طويلة في إدارة الثقافة بالشارقة،  والأدب الراحل عبدالله خليفة والشاعر الكبير قاسم حداد والروائي أمين صالح وبعض الشعراء الشباب الذين غادروا الوطن مبكرا،  وبالقدر نفسه حدثني عن الصراعات الأدبية والثقافية في مملكة البحرين وخاصة بين الاتجاهات القديمة والحداثية،  يتحدث معك عنهم وكما لو أنه كان واحدا منهم يوما ما . هو ابن السودان العريق الذي أسهم كثيرا في تقديم الأدب والثقافة والمسرح فيها للوطن العربي واسهم ولو من خارج موقع الميلاد في انتشار ثقافة أبنائها في شتى الأقطار العربية. انه كائن يحلق باجنحة رهيفة في كل أنحاء الوطن العربي لينقل معه عبرها رسائل الثقافة الخلاقة في كل مكان. ولقد تعمقت علاقتي بالدكتور المعلم عايدابي حين تم تم تشريفي من قبل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة والذي لم يخطيء قط في اختيار بناة الثقافة الخلاقة في وطنه وفي الوطن العربي،  بأن أكون عضوا بمجلس أمناء الهيئة العربية،  هناك تعلمت منه الصبر والاناة في العمل،  فهو صاحب صدر واسع رحب وما أكثر ما تحمل هو وصديقي المبدع الكاتب اسماعيل عبدالله رئيس مجلس الامناء مشاغباتي ومشاكساتي التي تروم حتما تطوير حراكنا المسرحي في الوطن العربي . إنها التفاتة ثاقبة وبصيرة من قبل وزارة الثقافة المصرية واللجنة المنظمة لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي وعلى رأسها الصديق المفكر البروفيسور الدكتور سامح مهران أدام الله عليه نعمة الصحة والعافية يارب،  في تكريم هذه القامة الثقافية الإبداعية المهيبة التي تكرمنا جميعا نحن أبناء المسرح بتكريمها المستحق.. وقد اختزلت استاذي ومعلمي الكبير والقدير الدكتور يوسف عايدابي ذات سانحة حب وعرفان بهذه الكلمات وهو الذي يستحق مني الأكثر منها أثناء تتويج تتويج الكاتب والمفكر  بأيام قرطاج المسرحية 2023 العايدابي كما عرفته ..  د . يوسف عايدابي .. أب بقلب طفل وطفل بعقل حكيم وحكيم بروح فراشة وفراشة برقة وردة  ووردة برحيق نحلة ونحلة بنسمة ربيع وربيع بحفيف شجرة  وشجرة باغرودة طير وطير بجناحي سحابة وسحابة بهديل مطر ومطر بهدير بحر وبحر بعذوبة نيل ونيل بقوارب حب وحب فيضه عشق وعشق هو المسرح لذا نحن نحبك ونعشقك أيها المدى و الأفق  أيها الفضاء الحميم الذي  فيه المسرح ، وفيه وبه نتمسرح ..

عايدابي يكرمنا بتكريمه قراءة المزيد »