مركز د.يوسف عايدابي للانتاج الفني الاعلامي

مقالات

تجارب وشهادات .. يحيى الحاج

تجارب وشهادات .. يحيى الحاج المسرحي السوداني يحيى الحاج (1948- 2018) عبد الرحمن بن زيدان (المغرب) أن تكتب عن أديب، وفنان، ومعلم هو المخرج والممثل يحيى الحاج، فهذا يعني الحديث عن عمقه الإنساني، كمحرك لرؤيته لعالم الفن والأدب والدراما، فهذا يحتاج العودة إلى الذاكرة لاختبار خزانها وما تجمع فيها من لمحات ثرية عن تجاربه، وأقواله التي باح بها في المسامرات الثقافية، او عبّر عنها في اللقاءات والندوات، أو نطق بها في المهرجانات المسرحية العربية والدولية، وهذا ما يمكن أن يخلد ذكرى هذا الأديب الفنان، الذي أفنى عمره في مدارات حياة أراد لها أن تبقى حية بلا مرارة، وبدون زوال. الكتابة من مرجع الذاكرة عن المخرج يحيى الحاج لا يمكنها أن تفي هذا المبدع الإنسان حقه، لهذا ستأتي الكتابة عنه مؤانسة لأجواء العمر الفني ! الاستثنائي في تجربة المسرح العربي التي كان يحركها بالمرجعيات العربية الأصيلة، وبثقافته الغربية، وهو يبحث عن مدينة أرادها أن تكون فاضلة بثقافتها وتراثها وفنونها بعيدة كل البعد عن الكراهية، والنزاعات، وغياب حرية التواصل بين الإنسان والإنسان، والتواصل بين المجتمعات الإنسانية. إن التأريخ للتجارب الأدبية والفنية، سواء أكانت فردية، أم كانت جماعية، والتدقيق في جامع مكوناتها، وميزاتها، وتفردها بدلالاتها العميقة وإبراز الجوانب المضيئة في عطاءاتها المتميزة، هو ما يمكن به قراءة صفحات من عمر الحياة الثقافية في بلد من البلدان، وتقديم صفحات مكتوبة بدور المثقفين في تفعيل حيوية الحضور الثقافي في المجتمع. هذا يعني أن بهذا التاريخ يمكن تلمس معرفة مستويات الوعي. ودوره في الحفاظ على الانفتاح الثقافي، وتفاعله مع ثقافات أخرى، وإبداعات تنتمي إلى أحياز أخرى يرى فيها المبدعون الحقيقيون أنها يمكن أن تلعب دورا إيجابيا في نقل الأفكار، وترويج المعرفة في سياقات أخرى تستفيد منها وتفيد وتستنبت منها ما يعمل على تخصيب التجارب والانفتاح، وتشد عضد البناء الحضاري، وتكوين الذوق، وإمتاع العقل بحرية البحث للتفكير الحر في ما هو أحدث وما هو أجدى، وأنفع. كثيرة هي التجارب والحركات الثقافية التي کرست فعل الحوار الثقافي بما يخدم ثقافتها ومسيرتها التاريخية وكثيرة هي المجتمعات التي تطورت بفضل هذا التلاقح بين الأفكار والأسئلة، والنظر إلى المستقبل قدر رؤيتها إلى أصالتها وإلى تاريخها. أكيد أن دول الكويت والبحرين، تمثل هذا النوع من الانفتاح، الذي مكن العديد من التخصصات في مجال المسرح من الاندماج مع سير التطور في دول الخليج العربية، بما يخدم تطور المجتمع الخليجي، ودليلنا – أيضاً – دولة الإمارات العربية المتحدة، التي كانت فيها الفرص سانحة لكل من يريد أن ينخرط بكفاءته، في إبراز الكفاءات المحلية، ويتجاوب مع المناخ الحقيقي للتطور الذي يعرفه المجتمع الثقافي في الخليج للدفع بالثقافة والفن نحو الأرقى، والأصفى، والأمتع. وفي المسرح الذي يعتبر مختبر المختبرات الحقيقية لهذا الانفتاح، وجدنا كيف تبلورت التجربة المسرحية في الإمارات بفضل هذا التناسج الحضاري والثقافي بين الكفاءات العربية، التي بصمت بسماتها الخاصة، ما به ارتسمت خصوصيات التجربة المسرحية الإماراتية. ومن بين الأسماء التي انضمت إلى كوكبة المسرحيين العرب في الخليج العربي وكان لها دور فعال في دعم هذا الانفتاح، والسير بالإنتاج المسرحي نحو أفقه الجمالي الممكن نجد المخرج والفنان والمربي الأستاذ يحيى الحاج، الذي تمكن من أن يصبح أيقونة التفاؤل برؤيته للمسرح، وللحياة، وللعلاقات بين المثقفين والعلاقات بين من يحملون معه نظرة مستقبلية متفائلة تعيش في عالم خال من الأحقاد والحروب والنزاعات القاتلة، التي ترمي بالإنسان خارج ذاته، وخارج وطنه، وخارج أحلامه، بعيدا عن نبض قلبه. والمخرج الفنان يحيى الحاج، بكل مساهماته في الإنتاج المسرحي في السودان، وتشبعه بالثقافة العالمية، وارتباطه بالتكوين والمعرفة المسرحية في لندن، واستقراره في الإمارات العربية المتحدة يبقى رابطا حقيقيا بين كل الأبعاد البعيدة والقصية في الثقافات، في ترحاله بين الأزمنة المختلفة، ليختصر صورة المثقف الذي كان ينير بتفاؤله فرحة القلب ليجعلها صفحات يرسم عليها ما يعتمل في الحياة وفي المجتمع من تنافر ومن مفارقات، وهو ما تقدمه حياته حين ارتبط في بداية مسيره الفني بالمسرح كهاو له، فجعل من خطاباته، وفرجاته، ورؤاه المأساوية تخصصاً مكتوباً بلحظات حياته الحقيقية، التي توزعت أصلاً – بين السودان كأصل لأصله، ولندن كبرزخ بينه وبين حضارة الغرب والشارقة كمستقر أخير ، وجد فيها فضاء سنح له الاشتغال الفني الواضح، فاستطاع أن يحقق فيه هذا التفاعل بين أرومة هي أصله الذي لم يفكر- قط – في التخلي عنه، وبين حياة وجدها مسيرة بحيوية الشارقة، التي بقيت عنده مختبرا للفن وللمسرح الذي سينجز فيه رؤيته للعالم. لقد توحد المنبت العروبي الأفريقي الصوفي للمخرج يحيى الحاج، في كل مواقفه وآرائه المستمدة من عمق السودان، الزاخر بتراثه وتاريخه العميق، الذي ظل نبضا حيا في رؤيته طوال حياته، إضافة إلى معرفته العميقة بتقنيات الأداء، وكيفية الاشتغال على جسد وعمق نفسية الممثل، كمعرفة اكتسبها – أولاً من دراسته في الخرطوم. ثم في لندن، التي منح منها كيفية صياغة سؤاله الفلسفي حول حضارة الغرب، وكيفية صياغة سؤاله حول الحضارة المحلوم للزمن العربي ثم سؤاله حول المسرح، وسؤاله حول أسرار الجسد الفني، وهي الأسئلة التي ولج بها إلى زمن التجريب المسرحي في الإمارات العربية المتحدة، فطمح إلى تأسيس مسرح يكون أكثر ارتباطا بصيرورة المجتمع الجديد. من هذه الأسئلة والمكونات والمرجعيات الثقافية نجد أن الفنان يحيى الحاج قد حقق في تجربته المسرحية، توازنا وظيفيا بين كل هذه المعطيات، فساهم في تجربة الإخراج المسرحي في الخليج العربي، وساهم في تكوين الشباب، وهو يقوم بتشغيل ثقافته الغربية، ومهاراته المكتسبة من الغرب لقراءة التجربة المسرحية وإعادة كتابتها إخراجيا، فاشتغل على إخراج العديد من المسرحيات الغربية والعربية، وشارك في تأثيث جمالية العروض المسرحية بعمقه الثقافي السوداني، وبمعرفته الغربية بأسرار اللعبة المسرحية، فكان يؤكد على مهارته الاستثنائية في التعامل مع النصوص المسرحية الكلاسيكية الغربية، وكان يؤثث صورها الباذخة زمن كل عرض مسرحي وسمه بجماليات الكتابة الركحية. التي كانت تحركها كل التراكمات والخبرات التي اكتسبها من تجربته في المسرح السوداني، إخراجا. وتمثيلاً، وتأطيراً للفعاليات التي يرغب في التحاقها بالفعل المسرحي، ودعمها بمهارته التي كان يبعد عنها أي استنساخ بارد لأدوات الغرب ومناهجه في الإنتاج المسرحي، متوخيا من ذلك أن تبقى الفرجة المسرحية العربية مكتوبة بالنفس العربي الأصيل تمشيا مع كل توجهات التأصيل المسرحي الذي ترسخ في السياق المسرحي السوداني، ثم في السياق العربي، حفاظا على التراث المتنوع الذي لا يتحرك ولا يبقى في نظره مستمرا بجديده، إلا بفضل ما يملكه المبدع الحق من وشائج قوية. تربطه بقضايا الإنسان، وبالثقافة المسرحية. لهذا كان كده وغايته في تقديم العرض المسرحي للكاتب العربي . خصوصا – هو تقديم قراءاته للنص المسرحي بعمقه العربي، وتقديم فرجات ممهورة بحسه الفني، الذي يفتح به عيون الكلام على عالم الفرجة حتى تظل منخرطة في المسرح الذي يريد تأصيله دون تغريب أو استلاب لأنه لا يريد أن يكون تابعا

تجارب وشهادات .. يحيى الحاج قراءة المزيد »

خمسون (50) عاما ولم ينفك السودان ولا مسرحه من أزمته أي سردية وطنية لما بعد الحرب ؟

  هبة حسن صالح ..باحث وناقد مسرحي المقدمة قبل 50 عاما وقف د. يوسف عيدابي على خشبة المسرح القومي متكئاً على التاريخ وطرح سؤالاً جوهرياً : “نحن غابة أم صحراء؟”، لم يكن سؤالاً ثنائياً يطلب إجابة بنعم أو لا، بل كان دعوة لمواجهة الذات الجمعية .واليوم وبعد نصف قرن انكسرت الخشبة وسقط الستار وتشرد الجمهور، وظل السؤال قائماً في قلب الأزمة السودانية . غير أن كلفة الإجابة صارت باهظة دماء ونزوح ودموع .وهنا يتجلى جوهر مشروع عيدابي ،اذ لم يكن مشروع “مسرحيات تاريخية” فحسب بل كان مشروع وعي جمعي .عندما أُسس “مسرح عموم أهل السودان” في 1974 سعى إلى هدفين مركزيين: أولاً : تفكيك الثنائية الزائفه حيث انه لا وجود لـ “عرب أصليين” مقابل “أفارقة أصليين” . ثمة سودانيون تتشكل هويتهم من امتزاج الغابة والصحراء . وإنكار أحد المكونين يعني انهيار الكل . ثانياً : تحويل المسرح إلى “مرآة وعلاج” . لا للهروب من الواقع بل نعم لمواجهته ومن هنا استدعى “حصان البياحة” من تاريخ الفونج  لا لسرد تاريخ الملكية بل لطرح أسئلة السلطة والعدالة والهوية في الحاضر والمستقبل . الإشكال النقدي أن السياسة أفشلت مشروع عيدابي عن قصد . اختزلته إلى “فلكلور” و “تراث” ووضعته على الرف .في حين أنه كان تشخيصاً مبكراً لأزمة نعيش تداعياتها اليوم .خطاب الكراهية الذي يملأ الفضاء الإعلامي هو النتيجة المباشرة لإفشال مشروع “مسرح عموم أهل السودان” في التحول إلى خطاب عام .والحرب هي المحصلة الحتمية لتجاهل سؤال ( أي سردية وطنية نريد ؟ ) وترك كل طرف يصوغ سرديته الخاصة .لذلك فإن إعادة عرض) حصان البياحة (اليوم ليست استدعاء لمسرحية إنما استئناف لمشروع تأجل نصف قرن مشروع يقول (قبل بناء الدولة لا بد من بناء “نحن *كيف أفشلت السياسة المشروع وحولته من “علاج” إلى “هامش”* لم يمت مشروع “مسرح عموم أهل السودان” من تلقاء ذاته لقد جرى إفشاله تدريجياً عبر ثلاث آليات: سياسات الإقصاء الثقافي: عندما صار المسرح خارج أولويات الدولة منذ 1974 وحتى اليوم تعاملت الدولة مع المسرح باعتباره “ترفيهاً فقط”. ، قال عيدابي إنه يريد معالجة الهوية عبر الخشبة. فردت الدولة (اتركوا الخشبة وتعالوا إلى القاعات المغلقة وكانت النتيجة انفصال الخطاب السياسي عن الخطاب المسرحي فتحولنا من التصالح في الصالة إلى الاحتراب في الشاشة . . 2تواطؤ النخب الخطابية مشروع حالم وخيال)  فنان ( تعاملت قطاعات واسعة من النخب مع مشروع عيدابي على أنه) طوباوي(. ،وفسرت ثنائية “الغابة والصحراء” على أنها شعارات بينما الواقع هو صراع موارد وسلطة .وهذا فهم قاصر فعيدابي لم ينكر الصراع بل حذر ما لم نحسم إشكالية “من نحن” أولاً، سيتحول أي تقسيم للموارد إلى حرب ،و المؤسف أنه قد صدقت نبوءته فكل اتفاقية سلام خلت من سردية جامعة انهارت خلال سنوات قليلة . . 3استسهال الجمهور لخطاب الكراهية خطاب الكراهية أيسر من المسرح ذاته ،فهناك تغريدة اختزالية تحصد آلاف التفاعلات فيما مسرحية تمتد لثلاث ساعات وتسأل “من أنت” تتطلب جهداً فكرياً وعاطفياً وفنياً. فاختار الجمهور الأسهل: منطق “نحن في مواجهتهم” بدلاً من منطق “نحن جميعاً”. النتيجة أن “حصان البياحة” بعد نصف قرن لا تزال تطرح السؤال ذاته . لأن المشروع لم يكتمل أوقفته السياسة في منتصف الطريق .حولته من مشروع دولة ومجتمع إلى مشروع نخبة مركزيه .وعندما اندلعت الحرب لم نجد آلية جمعية لمعالجة الصدمة . قراءة نقدية مسرحية للمشروع إن فككنا مشروع عيدابي بوصفه “نصاً مسرحياً كبيراً” نجده يقوم على ثلاث مرتكزات . 1البنية المسرح كطقس مواجهة قلب عيدابي وظيفة المسرح من معادلة (متفرج + خشبة + وهم) إلى معادلة (شهود + مرآة ) + مواجهة ذات. ( حصان البياحة) لا تحكي عن الملك بادي بل تستدعي “الملك” كرمز للسلطة لتسأل الجمهور من الملك الآن ؟ إنه تغريب بريختي سوداني يكسر الاندماج السلبي ويدفع نحو السؤال . . 2اللغة)  ازدواجية الغابة والصحراءكفضاء درامي( أنشأ عيدابي لغة ثالثة تمزج إيقاع الدوبيت وبلاغة الفصحى ورموز الميثولوجيا المحلية . وهو تهجين لغوي يهدف إلى صياغة هوية سمعية جديدة. الحصان هنا استعارة للسلطة المتحركة والبياحة سؤال عن شرعية الإنتقال والحكم . . 3الوظيفة)  المسرح كعقد اجتماعي ( أخطر ما في المشروع هو أن عيدابي ينظرللمسرح باعتباره) عقداً( فمجرد الجلوس في الصالة يعني الموافقة على مواجهة الآخر لساعتين بلا سلاح إنها بروفة للمواطنة . مسرح عموم أهل السودان) = محاولة لصناعة “جمهور وطني” قبل “دولة وطنية”.( الخلل أنه كان النص قوياً لكن غياب الدولة حرم العرض من الخشبة والصالة والأمان فتحول من “عرض جماهيري” إلى “نص نخبوي”. الخاتمة أي سردية بعد الحرب ؟ نعود إلى السؤال الذي توقفنا عنده قبل 50 سنة نحن غابة أم صحراء؟ لم تغير الحرب السؤال بل جعلت الإجابة عليه مسألة وجود لأن أي مشروع سياسي مقبل خالٍ من إجابة على هذا السؤال ستكون تكراراً للفشل .وهنا يستعيد مشروع عيدابي كامل أهميته .”فمسرح عموم أهل السودان” لم يكن يهدف إلى تقديم إجابات جاهزة بل إلى خلق “الفضاء” الذي نتفاوض فيه على الإجابة .وكانت الخشبة هي “العقد الاجتماعي” المؤقت. نجلس فيها، نواجه “الآخر” في عينه وندرك أن مصيرنا مشترك . يقول النقد: لقد أفشلناه ، ويقول الواقع : لا نملك ترف إعادة الإفشال قدم عيدابي التشخيص منذ 1974.والكرة اليوم في ملعبنا .، فإما أن نبني مسرحاً جديداً نسأل فيه “من نحن”، أو نواصل في “ميدان المعركة” ونسأل “من الباقي منا” والفرق بين الخيارين هو الفرق بين وطن وبين ذكرى وطن . حصان البياحةبعد نصف قرن تقول لنا الحصان ما زال واقفاً  فمن يركبه ؟ وإلى أين يتجه؟        

خمسون (50) عاما ولم ينفك السودان ولا مسرحه من أزمته أي سردية وطنية لما بعد الحرب ؟ قراءة المزيد »

آسيا عصفورة تحلم فى فضاء البياحة قراءة فى نصوص يوسف عيدابى

  محمد سيد أحمد كاتب وناقد فى دورته الثالثة والثلاثين، اختار مهرجان القاهرة للمسرح التجريبى، تكريم القامة المسرحية، دكتور يوسف عيدابى، أحد أعمدة المسرح العربى، المخطط الثقافى، صاحب الغوايات المتعددة. عيدابى حاصل على الدكتوراه من جامعة بوخارست فى تاريخ ونظريات المسرح، شاعر عصر تجربة، تيار الغابة والصحراء، برفقة الشعراء النور عثمان أبكر، محمد المكى إبراهيم، محمد عبدالحى، من أوائل من كتبوا الشعر الحر، فى قصيدة بعنوان أبودليق، عمل عميدًا لمعهد الموسيقى والمسرح، فى السودان بعد أن شارك فى تأسيسه، وأشرف على المناهج الدراسية، أستاذ جامعى فى جامعات رومانيا والإمارات والسودان، أشرف على الملحق الثقافى لجريدة الخليج، بصحبة الشاعر محمد الماغوط، أسهم فى تأسيس معرض الشارقة للكتاب، وأيام الشارقة المسرحية، من سنوات يعمل فى الهيئة العربية للمسرح، ينظم الندوة الفكرية، فى مهرجانات المسرح العربى، ويرأس تحرير مجلة المسرح الصادرة عن الهيئة، ويشرف على إصدارات الهيئة، أسس مركز عيدابى للفنون بالسودان، واصدر العشرات من الكتب عن المسرح السودانى، من أهمها كتاب الوافى فى تاريخ المسرح السودانى، نظم جائزة عيدابى للبحث المسرحى، يتشرف بالعمل كمستشار ثقافى لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمى، والذى كرمه، بمنحه مفتاح مدينة الشارقة. بتأثير من حوارات، تيار مدرسة الغابة والصحراء، أصدر عيدابى، بيان مسرح عموم أهل السودان، متخذًا من مجمل اشكال التلاقى والفرجة والاحتفال الشعبى فى البادية والحضر ملعبًا ومسرحًا ومكانًا حرًا للتعبير، بيان مسرح عموم اهل السودان، هو التنظير السودانى، المقابل لأفكار تأصيل المسرح العربى، (والتى صدرت عبر بيانات فى نهاية الستينات وبداية السبعينات بعد نكسة يونيو والتى جاءت بعناوين المسرح الاحتفالى عند عبدالكريم برشيد المغربى، وقالبنا المسرحى عند توفيق الحكيم، ومسرح السامر عند يوسف ادريس، ومسرح التسيس عند سعد الله ونوس). يقول عيدابى عن المسرح الذى يريد (لا نريد مسرحًا للنخبة أو لفئة قليلة فى بلدنا الممزقة المقطوع، شطرها بغابة فى الجنوب، والمنفصل عن شقها الصحراء شمالًا، لا نريد للمسرح إلا أن يكون أداة اجتماعية، ووسيلة مقاومة والكفاح ضد التفرقة والعنصرية والاحتراب). بيان مسرح عموم أهل السودان، تميز، برفضه للمسطرة الأوروبية الأرسطاليسة، لتعريف ماهية المسرح، لم يسعِ لتقدم مسرح، يلاحق صورة المسرح كما جاء من أوروبا، ودعى لمسرح ملتحم بثقافة الإنسان والمكان، مسرح متعدد وواحد، متعدد بالاحتفاء بثقافة التنوع، ومتوحد بأفق إنسانى رحيب. احتفى عيدابى فى مسرحه بكل جوانب الثقافة السودانية ببعديها العربى والإفريقى ولم ينحز إلى طرف من الأطراف. كتب عيدابى، نصوص مسرحية، رصينة مثل (حصان البياحة-العصفورة والممثلون- حلم- اغتالوا آسيا عبدالماجد- فنار) دراسة نصوص عيدابى، تكشف عن عناصر أساسية، نظمت الافكار والبناء، منها، أسلوب التمسرح (إذا عرفنا التمسرح، بانه حالة استعارية منطلقة من الواقع وتتجاوزه فنيا)، فى محاكاة ظواهر فى الممارسات الاجتماعية واليومية، مثل اللغة العامية والألعاب الفلكلورية والطقوس المميزة للمجموعة السكانية الثقافية. فى خضم انشغالات د.عيدابى، بالتخطيط الثقافى الاستراتيجى، والانهماك اليومى، فى إدارة الشأن الثقافى، الفنى والأدبي والمسرحى ظلم عيدابى جانب الإنتاج والإبداع، وهنا نحاول تسليط الضوء، على إنتاجه المسرحى، غير المكتشف، والذى لم يحظى بالحياة فوق الخشبة، فمسرحية حصان البياحة قدمت، من ثلاثة مخرجين فقط، والعصفورة بمخرجين، ولم يجد نص حلم ونص آسيا، فرصة للركح فوق الركح وان ظللت هذه النصوص طازجة وحديثة وحداثية وما بعد، نصوص فى انتظار، كل المخرجين العرب، وان كانت مضمخة برائحة سودانية، خليط من كبريت الخمرة والدلكة الفواح. عتبة العناوين العنوان كعتبة نصية أولى، هو باب لخارطة طريق الولوج للنص المسرحى، وضوء من أضواء استكناه الفحوى والمضامين عنوان مسرحية، حصان البياحة، مفردة البياحة، تثير تساؤل القارئ، وهى تعنى فى التراث السودانيين المكان السهل الممتد، ليكون المعنى يحمل دلالات الوثبة والانطلاق فى مساحات جديدة، قد يقصد بها الكاتب، ارتياد افاق جديدة للفرجة المسرحية، للعنوان تفصيل جانبى، يصف بها الكاتب المسرحية، بأنها مسرحية فى سبعة أجزاء مرتجلة، ومفردة مرتجلة، حضرت هنا، للتأكيد على أسلوب الفاعل مع المشاهد، بل دعوته للمشاركة فى العرض، كما فى بعض أحداث المسرحية. عنوان مسرحية (حلم) يدخل القارئ مباشرة، لعالم متجاوز للواقع، يحتشد بالرؤى والأخيلة، مقرونا بعنوان جانبي_ تركيب درامى فى أربعة أجزاء معنونة، لنجد البناء الدرامى، يقسم للأربعة تراكيب وليست فصولًا، ومفردة معنونة، تهمس للقارئ، تأمل فى العناوين. مسرحية العصفورة والممثلون، يستتبع العنوان، فقرة مكملة، تصف شخصيات المسرحية، بأنهم مجموعة من طلاب المسرح، يلعبون لعبة مسرحية، اسمها الحرية، مكونة من المخرج، الممثلة، مجموعة الممثلون 1-2-3-4.. المنظر المسرحى، أى مكان، تبدو هذه الكلمات فى صفحة عنوان النص، وكأنها إرشادات مسرحية، للمخرج، بان يتبنى أسلوب الميتا مسرح، فى صناعة العرض. عنوان مسرحية لقد اغتالوا آسيا عبدالماجد، هو أكثر العناوين، مباشرة وتقريرية، نسبة لان نص المسرحية، كتب انفالا بتوقيت، موت الفناة المسرحية الرائدة، آسيا عبدالماجد، برصاصة أوان الحرب الدائرة فى السودان، العنوان الجانبى، مرثاة مسرحية، يحيل القارئ للمراثى، التى يختص بكتابتها الشعراء، وان جاءت أحداث النص، بضاف أوسع من حادثة الاغتيال، فيها البعد الفنى والبعد السياسى والبعد الوطنى. حصان البياحة واسطة عقد نصوص عيدابى، مستوحاة من كتاب، طبقات ود ضيف الله، وهو يوثق لفترة مملكة الفونج (كتاب يتناول سير الأولياء فى السودان) والبياحة هى الأرض، السهل الممتدة، يصهل وينطلق فيها حصان التعدد والتنوع. بناء النص جاء فى شكل لوحات، مازجت بين الاحتفالية والتسجيلية والشعرية، وناقشت موضوع الهوية ن بطريقة فنية غير مباشرة، محتشدة بأبيات الشعر الشعبي(الدوبيت) والألعاب الفلكلورية، والاستعراضات الراقصة، والاحجية، بلغة تمازجت فيها الفصحى والعامية، فى هارمونى فريد، وتناولت موضوعات الدين فى حياة المجتمع، والسلطة السياسية والتشريع، وضع ومكانة المرأة. مسرحية- العصفورة والممثلون- كتب فى عام، 1971، ومثلت السودان فى مهرجان مسرح الشباب العربى، فى الجزائر، 1972 كأول عرض مسرحى سودانى، يشارك فى مهرجان مسرحى عربى، شارك فى الأداء كل من – تحية زروق-يحيى الحاج-شوقى عزالدين- على مهدى – دفع الله بشير-ناصر الشيخ- أنور محمد عثمان.. فى مقدمة النص كتب المؤلف، كتبت هذا النص، بهدف تعليمى تدريبى، راوحت أحداث المسرحية، بين عالم الحلم وعالم الواقع، بأسلوب المسرح داخل المسرح، حيث وجود مخرج فوق الخشبة، يصدر الإرشادات ويتدخل فى أداء الممثل، العصفورة، إشارة رمزية للحلم أو الحرية أو ربما الوطن، والممثلون فى عالمهم الواقعى، العصفورة ظهرت بثنائية، الوجود فى شخصية الممثلة، والحلم فى طيف تخاطبه الممثلة، لغة المسرحية، توشحت بالشعر والشاعرية، بشفافية وعذوبة، وندر استخدام اللهجة العامية، تمت إشارات سياسية لقضايا التحرير الوطنى، والصراع ضد الاستعمار، فى فيتنام وفلسطين وروديسيا، وظف المؤلف أسلوب حديث فى تلك الفترة، بتوظيف الشاشة السينمائية، كصورة وسط الفعل الدرامى المجسد، تناص السرد مع قصائد للوركا – وقصيدة عصفورتان فى فنن- وعبارة هاملت أكون أو لا أكون، وحكاية الملك العريان.. الملمح التدريبى والآراء حول فن المسرح، نجده مشاركة المخرج من فوق الخشبة، وعبارة المسرح اليوم يختلف عن التصورات الأرسطية.. الأسلوب الملحمى، ظهر فى مخاطبة الجمهور، فى نهاية العرض، والدعوة لفهم

آسيا عصفورة تحلم فى فضاء البياحة قراءة فى نصوص يوسف عيدابى قراءة المزيد »

المسرح السوداني وجدلية الانتماء

المسرح السوداني وجدلية الانتماء  قراءة نقدية في تقاطعات الهوية العربية والأفريقية وتجليات التجريب : (مسرح لعموم اهل السودان) انموذجا اعداد د. عوض الكريم الزين بشرى مقدمة تبحث هذه الورقة في موقع المسرح السوداني ضمن ثنائية الانتماء الثقافي والحضاري بين العروبة والأفريقانية والحالة السودانية كتشكل واقي ومتفرد، باعتبار السودان بوتقة انصهرت فيها التيارات العربية والأفريقية. تستنطق الورقة النصوص والعروض المسرحية السودانية التي سعت لتأسيس “هوية مسرحية متميزة”، متجاوزة الاستلاب النموذجي الغربي، وواجدةً لها جذوراً في طقوس الفرنقبية، والزار، والمديح النبوي، والدراما الاحتفالية الأفريقية.وشعائر القتل الطقسي كما تناقش الورقة دور المهرجانات والحركات الفكرية في توجيه البوصلة المسرحية، وصولاً إلى مقاربة تحليلية تبين كيف نجح المسرح السوداني في تقديم نموذج فريد للتثاقف والتفاعل الخلاق بين المكونين العربي والأفريقي دون ذوبان أو إقصاء.ِ يحتل السودان موقعاً جغرافياً وثقافياً فريداً جعله جسراً حيوياً بين العالم العربي وقارة أفريقيا. هذه الخصوصية الجيوسياسية انعكست بحدة على ملامح الإنتاج الثقافي والفني، وفي مقدمته المسرح، الذي وُلِد متأثراً بالمدارس الوافدة (المصرية والغربية عبر التعليم النظامي)، لكنه سرعان ما بدأ في البحث عن شرعيته وذاته الوطنية المستقلة. تتمثل الإشكالية الرئيسة في مظان البحث والتشبيك ما بين البعد العروبي والافريقاني في في سؤال يتراوح ويتجدد في كل مرحلة بفعل تفكك بنية الدولة السودانية وتضعضعها بفعل الشعارات العنصرية والتهميش ومؤخرا الصراع المسلح والذي يستهدف بالاصل تفكيك هذة البنية واللحمة الفريدة ويتمثل السؤال الاساس في :  إلى أي مدى نجح المسرح السوداني في تمثّل هويته المزدوجة (العربية والأفريقية) وإعادة إنتاجها فنياً على خشبة المسرح، وكيف تجلت هذه الثنائية في النصوص والعروض بين نزوع الانتماء المشرقي العربي وجذور الانتماء الأفريقي الأصولي؟ جذور التأسيس وتأثيرات الوافد (المسرح السوداني النشأة والبدايات) المسرح المدرسي والرواد: انطلق المسرح السوداني الحديث عبر البوابات التعليمية (معهد غوردون التذكاري، والمدرسة الحربية، وكتاتيب التعليم الأولي) في أوائل القرن العشرين، متأثراً بالمسرح المصري الذي نقلته البعثات والأساتذة الوافدون. التأثير العربي المشرقي: تمثّل ذلك في تقديم النصوص العربية الكلاسيكية والمترجمة، والاهتمام باللغة الفصحى والشعر الغنائي المرتبط بالوجدان العربي. التمرد على الوافد: سرعان ما شعر المسرحيون السودانيونمن الذين اندرجوا في الممارسة والحراك المسرحي من الطليعة الاوائل وخريجي المعهد العالي للموسيقى والمسرح أن المسرح المستورد لا يعبر عن نبض الشارع السوداني الحقيقي، فبدأت رحلة البحث عن “المحلي”. تجليات الهوية الأفريقية: الطقس، الأسطورة، والفرجة الشعبية وتتمثل هذه التجليات في العناصر والنقاط التالية : العمق الأفريقي: يزخر السودان بتنوع إثني وثقافي أفريقي ضخم (في جنوب السودان تاريخياً، وغرب السودان، وجنوب النيل الأزرق، وشرقه). هذا التنوع أغنى المسرح بروافد طقسية عميقة. الدراما الطقسية: اعتمد المسرحيون على طقوس الخصب، وحلقات الذكر الصوفية، واحتفالات الحصاد، وممارسات الزار، والقتل الطقسي ، والمسرح الاحتفالي الأفريقي القائم على الجسد، والإيقاع ، والرقص الجماعي التفاعلي. نماذج نصية وعرضية: بروز مسرحيات تستلهم التراث الأفريقي والمحلي (مثل أعمال الخاتم عبد الله ، والفيتوري، وخالد ابو الروس، ويوسف عايدابي ،خالد المبارك وآخرين) ممن وظفوا الميثولوجيا السودانية تجليات الهوية العربية: اللغة، الشعر، والتراث الإسلامي المشرقي اثرت المكونات العربية بشكل كبير في تشكيل بدايات المسرح السوداني عبر كثير من البواعث والمسببات بشكل تلقائي عبر العديد من الاطر الموضوعية وتتمثل في التالي :- البعد اللغوي والثقافي: اللغة العربية كوعاء للتعبير الأدبي والمسرحي، والارتباط الوجداني بقضايا الامة العربية والإرث الحضاري الإسلامي. المسرح الشعري والصوفي: ازدهار المسرحيات التي تعالج القضايا التاريخية والتراثية العربية-الإسلامية، وتوظيف الشعر الفصيح والموروث الصوفي (كالمديح النبوي، والحضرة، وتقاليد الطرق الصوفية) التي تمثل تمازجاً فريداً بين العروبة والإسلام والوجدان الأفريقي المحلي. التعليم النظامي والديني : شكل نظام التعليم اطارا معرفيا في تلقي العلوم المختلفة مع الاهتمام بتدريس اللغة العربية وكل فروعها وادابها وكذلك التعليم الديني عبر الخلاوى والذي اسهم بشكل كبير في الحفاظ على اللغة العربية وسلامتها عبر حفظ القرءان والالمام بعلوم اللغة العربية بشكل موسع مثل تدريس ألفية بن مالك وبن عاشر وما تيسر من امهات الكتب الجدل الفكري: نحو مسرح سوداني ذي هُوية مركبة مدرسة الفكر السوداني وتأصيل الهوية: ويتجسد ذلك في كيفية أسهام النقاشات الفكرية حول “الهوية السودانية” (السودان وطن استثنائي يجمع بين العروبة والأفريقية) في صياغة منظور نقدي للمسرح. مفهوم “الأصالة والمعاصرة”: سعي المسرحيين السودانيين لدمج التقنيات المسرحية الحديثة (البرشتية، العبث، المسرح الملحمي) مع أشكال الفرجة الشعبية المحلية (مثل الحکواتي، الصندوق الأسود، والسامر).       مسرح لعموم اهل السودان  التأسيس المفاهيمي لمشروع “مسرح لعموم أهل السودان” يُعد المفكر والناقد المسرحي السوداني د. يوسف عايدابي واحداً من أهم المرجعيات النقدية التي تفككت أطروحاتها أزمة الهوية السودانية بمعزل عن القوالب الجاهزة. فمشروعه المعنون بـ «مسرح لعموم أهل السودان» لم يكن مجرد شعار شعبي أو محاولة إدارية لجمع الفرق، بل كان “رؤية إبستمولوجية وجمالية جذرية” سعت إلى إعادة صياغة الوعي المسرحي الوطني من القاعدة إلى القمة. انطلق عايدابي من فرضية أساسية مفادها أن السودان ليس “ملحقاً” ثقافياً للمشرق العربي ولا “جزيرة معزولة” في أدغال أفريقيا، بل هو فضاء تلاقح حضاري فريد. بناءً على ذلك، استهدف مشروعاته لتفكيك الأشكال الاستعمارية أو النخبوية للمسرح الوافد (المستند حصراً إلى المعايير الأرسطية أو النماذج المصرية التقليدية)، ودعا إلى مسرح يعكس الفسيفساء الإثنية والثقافية السودانية بكامل تنوعها (العرب، النوبة، البجا، الفور، الدينكا، وغيرها). آليات التشكيل الجمالي في المشروع: من الطقس إلى الفرجة الشاملة تتجلى عبقرية المشروع النقدي لدكتور يوسف عايدابي في قدرته على استنطاق أدوات التعبير المحلي وتحويلها إلى عناصر درامية حاملة للمعنى، وذلك عبر مرتكزات أساسية: أ. استنطاق الطقس والفرجة الشعبية (تجاوز النص المغلق) يرى عايدابي أن المسرح في السودان وُجد أصلاً قبل أن تُعرف “الخشبة” المعاصرة؛ فقد تجسد في طقوس الخصب، وحلقات الذكر الصوفية، واحتفالات الحصاد، وطقوس “الزار” والقبائل المختلفة. هذه الفُرَج لم تكن ترفاً، بل كانت “دراما حية” تعتمد على الجسد، والإيقاع الصوتي (كالطبل والنحاس)، والتفاعل الجماعي (الفرجة التشاركية). وظّف عايدابي هذه الرؤية لدفع المسرحيين السودانيين نحو ترك “سطوة النص المكتوب بحرفية صارمة” والذهاب نحو العرض الحكائي البصري الذي يخاطب الوجدان الجمعي لعموم أهل السودان.   ب. الهجنة الخلاقة بين العروبة والأفريقية في قراءة عايدابي للوجدان السوداني، نجد أن الرافد العربي (المتمثل في اللغة الفصحى، التراث الصوفي، والموروث الإسلامي) يندمج عضوياً مع الرافد الأفريقي (المتمثل في الميثولوجيا السمراء، الإيقاع الكوني، وروح الأسطورة المحلية). هذا التزاوج لا يحدث قسراً، بل يتسق مع طبيعة الإنسان السوداني التاريخية. وقد أتاح هذا المفهوم للمسرحيين تقديم أشكال تجريبية غير مسبوقة تكسر الجدار الرابع وتشرك الجمهور كعنصر فاعل في صنع الفرجة. الاشتباك السياسي والاجتماعي: المسرح كأداة وعي ديمقراطي لم ينظر د. يوسف عايدابي إلى المسرح من زاوية جمالية بحتة، بل ربطه ارتباطاً وثيقاً بـ “هموم الإنسان المهمش”. فـ “مسرح لعموم أهل السودان” هو مسرح ديمقراطي في جوهره، يرفض الإقصاء الجهوي أو العرقي، ويتحول إلى منصة

المسرح السوداني وجدلية الانتماء قراءة المزيد »

المسرح السوداني من المستور إلى المكشوف في كتاب (الوافي في تاريخ المسرح في السودان) للدكتور يوسف عايدابي

الدكتور عبد الرحمن بن زيدان عتبة قراءات متأملة في أضمومة (الوافي) في تاريخ المسرح في السودان الدكتور يوسف عايدابي ناقد أدبي خبير في مجال تخصصه الأدبي، والنقدي، هو فنان معروف برهافة إحساسه، وشاعر مجيد بعمق رؤيته في النظم، وهو (شاعر المسرح السوداني  ) بآمتياز، وهو الذي في مشروعه الثقافي يظل متابعا بشكل حثيث ومداوم، ومتواتر للحركة المسرحية في السودان، كما يتابعها في الوطن العربي قراءة، ومقاربات نقدية، ويظل ينجز بنتاجاته، وبحوثه قراءة التجارب المسرحية مستوضحا معاني حساسياتها، وخلفياتها المختلفة. له في الإبداع الشعري، والنقدي، والسردي ذخيرة مدعومة في مكوناتها بمعرفة الأنواع الأدبية الموسومة في كتاباتها عنده بكل تفاصيلها الجديدة، ومدعومة بكفاياته في القراءة، والفهم، والتوثيق وهو يدنو من دلالاتها العميقة، وفهمها فهما دقيقا جعله يكون مُلمّا بتمظهرات التجارب المسرحية العربية، وبالتجارب الإبداعية، ويكون العارف بمناهج النقد الأدبي والفني، فصار بتجريب القراءة النقدية أكثر قربا من أيقونات الفعل الثقافي المتعدد في السودان، معرفةً، وحوارا، ومتابعة، وتوثيقا. هذا ما ساعده ـ أيضا ـ على تحقيق مشروعه القرائي في أكثر من نوع أدبي، وفي أكثر من مجال فني بلوره في أكثر من مصنّف، وأنجزه في أكثر من دراسات كلها تُشكّل مقاربات للسرود الأدبية التي جرّب في بناء خطاباتها العديد من مناهج النقد الأدبي، والفني لتحقيق قراءات نقدية عميقة أوصلته ـ في بدء كل قراءة وفي آستمرارهاـ إلى مبتغاه في الفهم، والتفسير، وتقديم رؤيته الخاصة لعالم التجريب المسرحي في الوطن العربي. بكل قراءة نقدية للمتون الأدبية، والفنية، نجده ـ دوماـ يسعى بهدوء مدعوم بقوة العقل المفكر إلى بناء خطابه المسرحي في النقد الذي تميز به في كتابات كل مصنفاته، وفي كل دراساته، ودلائل كتبه التي نضّدها بخطابات التوثيق للمسرح السوداني من بداية تأسيس نهضته إلى ما تمخض عنه من تغيير في المساقات التاريخية تحت ضغط العديد من الإكراهات السياسية، والثقافية، والمعرفية التي جعلته يتحدى ظروف المفارقات المحبطة للبقاء والاستمرار. من هذا المبتغى المتجدد بطموحه في تجديد الإبداع، وتجديد قراءة المسرح، ومن رغبته في التحديث، وبغايات تجريب أدوات البحث لقراءة التجارب الشعرية، والمسرحية، وتحليل خطابات المدونات، والمساهمة في تجميع وتقديم الكتب الجماعية، فقد كانت تحضر في اشتغالاته النقدية مفاهيم، ومهارات تجمع بين التحليل العميق، والموضوعية، والربط الجدلي بين الشكل والمضمون، وبين القائل والمقول. هدف هذه القراءات في المشروع الثقافي للدكتور يوسف عايدابي هو الكشف عن كل الأبعاد الثقافية المضمرة، والجلية، في التراث العربي الفرجوي، والاقتراب ـ أكثر من مضامينه، وأشكاله، وبنياته، وهذا ما يلوح على وجه الخصوص في مقارباته النقدية لمعرفة طقوسيات المسرح السوداني وأصاله، وغرائبيته، وأساطيره، كما تنكشف هذه الاشتغالات في كتابة الشعر ببلاغة النظم الذي به ظلّ يجوب آفاق التجديد بغاية التجديد، وفيه كانت تحضر مراجع المعرفة العربية منها والغربية في كل خطاباته كدليل على وجود تلاقح ثقافي حقيقي بين الأنا والآخر به كان يُفعّل الرؤية التحديثية لخدمة كل تجديد يقدم حقيقة الثقافة السودانية. كان الدكتور يوسف عايدابي يستحضر كمركز لهذا المبتغى كل التجارب المتراكمة في العمل الثقافي السوداني وكل شغفه هو إبراز معرفته بكل معانيها، ودلالاتها، عن طريق الحوار مع النصوص الأدبية، والفنية، وعن طريق تكليم فحوى المدونات، وعن طريق مساءلة تلقيه للظواهر المسرحية فيحوّل الأجوبة في فعل التلقي  مع أسئلته المطروحة حول موضوع نقده لتكون إما استجابة نهائية توافق مضمون ما يقوم بقراءته، أو أن تكون انزياحا عن هذه الاستجابة التي تبني المسافة ما بين الاستجابة والانزياح بأسئلة جلية تعتمد على عمليات تجريب الكتابة المتسائلة في عوالم النقد، ونقد النقد بالتوثيق لكل التجارب التي كان لها تأثير قوي على سياقها السوداني الخاص، ولها تجلياتها في الزمن الثقافي العربي. ومن هذا الشغف ـ أيضا ـ يبرز دوره المركزي ـ عربيا ـ كفاعل في القراءات النقدية والبحثية وهو يتغيا بناء هويته الثقافية في النقد الأدبي والفني ضمن هوية الثقافة في السودان وذلك عن طريق كل نقد يكتبه، وعن طريق كل ببليوغرافية ينجزها كمساهمة منه في الحفاظ على الذاكرة الثقافية السودانية بهدف صونها من الانمحاء، وصونها من الإزالة أو استئصالها من جذورها لأن مكوناتها الثقافية ـ كما هو مقتنع بذلك مع النخبة السودانية المثقفة المجدّدة ـ تدخل حتميا في تكوين هوية الوطن. قبل الوصول إلى هذا المُبتغى كمشروع في البحث بالتحليل، والنقد بالتوثيق، ومساءلة الظواهر الأدبية والتراثات الفرجوية السودانية، كان الدكتور يوسف عايدابي يتهيّأ ـ دوما ـ إلى مدّ قنوات التواصل مع مواضيعه بمعرفة متجددة بتجدد مناهج القراءة في مقارباته النقدية، وكان يعددّ قراءاته لفهم القضايا التي سيشتغل عليها، وكان يهيئ أدواته الإجرائية لتوظيفها توظيفا تجريبيا لفهم ما يمكن فهمه، وتحليل ما يمكن تحليله من بنيات، وتركيب ما يمكن تركيبه من معرفة بمكونات المقروء، فيؤلف بين عناصر المتن، وينظم دواله التي تكون مساعدة على تحقيق الانسجام، والتوافق بين مكونات الخطاب، و إنجاز التكامل بين رؤيته كمبدع في المسرح ورؤيته كمتلق مبدع لتكون رؤيةً موصوفة بصيغة الجمع ـ وذلك بهدف إكمال إنجازاته في الإبداع الشعري، وتجريب هندسة الكتابات الدرامية في المسرح لتكوين خطاب التلقي، وطرح أسئلته حول إشكاليات التنظير المسرحي العربي. كل هذا من أجل رسم أفق هذا المسرح بصفات معلومة بخاصيات عربية، وإفريقية كان يفتح بها مع النخبة المثقفة السودانية التي تحمل همّ تأسيس البديل الثقافي عن السائد كل الأبواب العصية على الانفتاح، ويفتح بها معهم قنوات الحوار المتمدّن مع الأصول، ويفتتح المغلق الموصد على مكونات الدلالات المتشابكة في المتون، لأنه يعتبرها بنيات لغوية في نوع أدبي تحتاج إلى دارس متمكن من أدواته، وعارف بأسرار لغته، ومصطلحاته، حتى يفلح في امتلاك مفاتيح قراءة بنياته، ومضامينه ليقرّب غموض موضوع القراءة من دلالاته الواضحة، ويفتح الأبواب الحافظة على أسراره بحثا عن المعرفة البعيدة، والقصية، والمخبأة في ذاكرة الثقافة السودانية لوضعها في دائرة الضوء، وهو ما أسس به نموذج مسرحية (حصان البياحة) كأفق ممكن لتحقيق المسرح الممكن إنجازه في مدارات ( مسرح لعموم أهل السودان) ليكون وجود هذا المسرح ممهورا في مضمونه، وموسوما في وجوده  بالثقافة السودانية وبعمقها السوداني، وفي الآن نفسه تكون قادرة على أن تمتح من البعد الإفريقي صورا من رموز كينونتها الثقافية ليكون حوار الثقافات عنده مكتوبا بخصوصيات (الغابة و الصحراء) كمشروع شعري يجدّد العمق الشعري السوداني بأصوله العربية، والإفريقية، وهو طموح شارك في صنع آفاقه وإنجازه شعراء هذه المدرسة أمثال محمد عبد الحي، والنور عثمان أبكر، ومحمد المكي إبراهيم، ومصطفى سند، وعبد المطلب محمود وعبد الله شابو،  لأنهم كانوا يرون في هذا التلاقح بين الثقافات فعلا مُجديا ثقافيا، وإبداعيا بين السودان وإفريقيا ولهذا نجدهم يراهنون على  تفعيل الخصوصية العربية الإفريقية في هذا الإنجاز لتجديد ما يمكن تجديده. إنه الانفتاح الوظيفي على إمكانية الكتابة عن التجارب الأدبية، والفنية، وتحويل أفق مساءلتها، وتأمل بنائها إلى بحث عميق عن معناها الموجود في بنياتها القصية، وإعمال النظر في

المسرح السوداني من المستور إلى المكشوف في كتاب (الوافي في تاريخ المسرح في السودان) للدكتور يوسف عايدابي قراءة المزيد »

إلي د. يوسف عايدابي

  في تكريمه الممتد بحفاوة قرطاج..وكرم القاهرة حصان البياحة *اللحمة والسداة* *(عبقرية المبادأة)  * لم نفق بعد من رحلة و محنة النزوح الأولى، ونعد العدة بما خف من العتاد، وثقل الهم عليهم من الأهل والبنوة والأحباب للنزوح الثاني. طرق الآذان خبرٌ مشينا بوازعه ورفقتة الحميمة. ادخرناه تمائم وحرز أمان لنا ولـ “عموم أهل السودان”. ليعبر معنا – والحزن والارتباك – منافذ الكباري والكنالات والترع وفق مسارات “السعية”، وبراءات الطيبين بالإرشاد للطرق الآمنة. دروباً ومسارات تحفها دعواتهم “بالسلامة آ ناس”، وتصدح بها قرى وبلدات الجزيرة الآمنة المتكئة علي بردة نسيجها الاجتماعي المتماسك ،حتى الوصول إلى بوابات “التقاطع” و”سن النار” التي ألفناها تاريخاً حميماً ووسم الغابة والصحراء يدعو: فأفتحوا، حراس سنار أفتحوا للعائد الليلة أبواب المدينة: “بدوي” أنت؟ “لا” “من بلاد الزنج؟” “لا” ..أنا منكم، تائه عاد يغني بلسان ويصلي بلسان من بحارٍ نائيات وشهدت ما شهدت كيف تنقض الأفاعي المرعدة حين تقذف أمواج الدخان المزبدة جنة خضراء في رمل تلظّى في الظلام أنا منكم جرحكم جرحي وقوسي قوسكم فأفتحوا حراس سنار أفتحوا للعائد الليلة أبواب المدينة افتحوا للعائد الليلة أبواب المدينة افتحوا الليلة أبواب المدينة افتحوا .. سنار التي ألفناها تاريخاً حميماً، لكننا لم نأمن اليوم عندها المبيت، إذ كانت أصداء أمواج النيل الأزرق المفعم بالحكاوي تتصفحنا: “يا أهل الود والأخوة، أفاض الله علينا وعليكم سحائب الإحسان، وأسكننا وإياكم أعلى فراديس الجنان بحرمة سيد ولد عدنان… استخيروا على طريق السنة والإلهام” فاستخرنا، ونادينا: “يا خوجلي يا الولدوك في أربجي سنة حفروا البحر.. أنجدنا!” رمانا خيط “النديهة” للنجاة، للاستكانة، وتجميع القوى، ثم توكلنا لنخرج صوب متكأ النزوح الثاني. أصداء أمواج النيل، رياح البطانة من جهة السافل، وقرع الطبول، تصيح بأن “يفزعوا وينجدوا” الأولياء الصالحين ببركاتهم وأنفاس سيرتهم: “الشيخ فرح ود تكتوك حلال المشبوك.. حسن ود حسونة، جاعل أصله في نسبه.. إدريس ود الأرباب، جامع لواء أهل الأعيان والكرم والحكمة” قالوا أمضوا فمضينا: “الأجهر صوتاً والأطول وضعوه في الصف الأول ذو الصوت الخافت والمتواني وضعوه في الصف الثاني مضينا مؤمنين بطمأنية الكرم الفياض ، والنديهة، لنلج أرض جبال شاهقات وخيل تصهل، مستشرفة بئراً للأمان، وتردد الأصداء: مرحباً.. توتيل، القاش، خور سوميت، السواقي، الختمية، حي العرب، الميرغنية.. سيدي الحسن وبعد أن استند الجنب على مرقد، أخذنا “حصان البياحة” بأغنية تقص مشهداً غلب عليه الزيف والتزوير والرشوة وعُقد النقض والكراهية المكبوتة على لسان شخوصه. “تطفأ أنوار الخشبة ، ويدخل ثلاثة أشخاص يرتدي كل منهم لباساً.. الرموز تتبدل ، مابين الخير والشر والإنسانية، يتبادلون حِمل لافتات كُتب عليها شعارات مختلفة”، ويتردد صوت الأغنية حكايتك لا تعدو عن كونها مزحة فأنت في الواقع تنفر من أشياء من حولك تفكر كيف تعدو من يومك من أمسك ؟ أتبيح لنا معنى آخر؟ لنقل أنك تهرب من بين أحشاء ذا المسكين من عقلك ساكن المدينة يهرب إلى الريف، وساكن الريف يهرب إلى المدينة، وهناك يهرب الكل إلى البحر، يهربون من الحاضر إلى الماضي إلى المستقبل إلى القمر. ثم حين استردت الروح بعض عافيتها، واختلط الخبر قِبلك ، بالمسارات والدروب والنداءات والترانيم وإيقاعات النوبة؛ صعدت الأغنية طاغية بكبرياء لمراكز الصحو والإفاقة – رغماً عن الأذى – إذ لا عفو أو مغفرة أو تسامح لمن لا يجعل بشريات مثله جزءاً من انتصارات مفرحة في حق الوطن وعبقرية أبنائه، ومدعاة مُشرفة للكتابة. فتكريم مهرجان أيام قرطاج المسرحية في دورته ال ٢٤لدكتور يوسف عايدابي، وتكريمه – بعد سنوات ٍ حالكاتٍ في حياة اهلنا ، ونحن نستغرق في سني النزوح ويغرق فينا جرح النزوح الثالث – في مهرجان المسرح التجريبي بالقاهرة هذا العام ٢٠٢٦م تكريمٌ مُستحق لمن طاله ، فهو أهل له فعلاً وعملاً ومنجزاً.  فقد استقى د. يوسف أصل هذا المُستحق منذ النشأة والتكوين، إذ ظل الوطن سداةً ينسج عليها لحمة إنتاجه الإبداعي والفكري تشرب العلم والتعاليم منذ الطفولة من خلاوي “درديب”، وانتمى إلى رفاعة “أبو سن” حاضرة البطانة وقبلة أهل المسادير، والمركز التاريخي لتأسيس التعليم النظامي في السودان للبنات والأولاد منذ 1903م، ومصدر أول عرض مسرحي “سوداني” لتلاميذ مدارسها بريادة الشيخ الجليل بابكر بدري. فكانت ساحات المولد النبوي الشريف مكاناً لعروض المسرح (مسرحة المقامات الحريرية، ومشاركة لمحفل “خذ وهات” مع جماهير النظارة والحضور) فشب وترعرع فيها. وتشرب من مضارب التحضر والتمدين وروابط العمل والنسيج الاجتماعي المعافى، ومنشأ الحركة العمالية بالسودان (مدينة عطبرة)، إذ كان له فيها، في أطوار التفتح والتكوين، أقران صاروا ثلة من كوكبة سودانية مبدعة؛ منهم المسرحي عثمان الحوري، والشاعر محمد مدني، والمؤرخ محمد أبو القاسم. طرح يوسف عايدابي ضمن أطروحات إشكاليات الهوية عبر التأصيل والتأسيس الثقافي، دعوة مسرح “لعموم أهل السودان” تنطوي على التعددية الثقافية، وتحرص على الوحدة. يرى أن عموم أهل السودان هم السودانيون الذين أتوا من كل حدب وصوب، ليتحاوروا وفق الطرائق التي يرونها لصياغة وجود مغاير. ومسرح عموم أهل السودان مسارح وأجناس وطرق، عالم جديد بالعمومية والإبداع والانتشار. انتمى وضمن المؤسسين لجماعة الغابة والصحراء، ومثل كشاعر رائد الضلع الرابع بجانب الشعراء محمد المكي إبراهيم، والنور عثمان أبكر، ومحمد عبد الحي في ذلك التيار المؤثر في الحياة الثقافية السودانية. الجماعة التي أرادت أن تؤسس لوعي ثقافي جديد، يَنظُر للهوية مزيجاً من الثقافة العربية والثقافة الأفريقية من خلال رمزية الصحراء في الثقافة العربية والغابة في الثقافة الأفريقية. كما يعتبر كتاب “طبقات ود ضيف الله” مصدراً للجماعة والمرجع التاريخي لتلك المرحلة. ورغماً عن شاعرية د. يوسف عايدابي ومقدراته في التصوير الشعري المتفردة، إلا أنه ترجل بموهبته الإبداعية إلى مجال المسرح، مُحمّلاً بتلك الملكات الشاعرية متحدة مع شاعرية المسرح في أصله. فكان فاعلاً ضمن جماعة المسرح الجامعي السوداني التي أعلنت الخروج والتمرد للتحرر من قيود المسرح الأرسطي في ستينات وسبعينيات القرن الماضي. تجربة طليعية متخذة من لغة وسط السودان العربية لغة للحوار المسرحي، ومنطلقة للاقاليم ، مستوعبة لتجارب ونظريات المسرح العالمي المعاصر، ومبتدرة طريقاً في مسيرة المسرح الجماهيري. يرى يوسف عايدابي ويدعو إلى: نريد المسرح بدراً في ليالي الأوطان، ونوراً في دروبها، وصوتاً هادراً في ميادينها، ونفيراً في بواديها بل وبوسع المسرح أن يكون وسيلة ماضية مستدامة لتنمية الإنسان الجديد والمجتمع العربي الجديد . فما علينا كمسرحيين إلا أن نعيد النظر في فكرة المسرح ودوره ووظيفته المبتغاة، وأن نتأكد أننا لا نحاكي ونتبع الغرب سيراً في الركب المتعولم. إن ظروفنا الراهنة إجمالاً مضطربة متقلبة، وأناسنا يتطلعون حقيقة إلى ثقافة بديلة مختلفة، تهديهم السبيل إلى وجود مغاير وحياة أكثر سلماً وعدالة.، وعلى المسرح أن يكون في طليعة أدوات المستقبل، وإلا فهو لزوم ما لا يلزم، زبد يذهب جفاءً. فيا أهل المسرح، استيقظوا” مسرحية حصان البياحة لمؤلفها يوسف عايدابي، تعتبر فريدة تجلى عبقريته لرؤية إبداعية مسرحية، فهي: * لا تنفصل عن ارتباط

إلي د. يوسف عايدابي قراءة المزيد »

يوسف عيدابي.. حين يصبح المسرح ذاكرةً لـ”عموم أهل السودان”

  كتب د. شمس الدين يونس نجم الدين   ليس الدكتور يوسف عيدابي من أولئك المثقفين الذين يحملون الفكر على رؤوسهم تباهيًا، بل يسكنونه تواضعًا، وكأن مقولة «التواضع زينة العلماء» قد قيلت فيه. ذلك التواضع الذي لا يأتي من قلة المعرفة، وإنما من إدراك عميق لقيمتها ورسالتها، ومن إيمان بأن الثقافة لا تكتمل إلا حين تعود إلى الناس الذين خرجت منهم. لم يكن الدكتور. يوسف عيدابي من أصحاب الأبراج العاجية، بل ظل ابنا ل «عموم أهل السودان»، قريبًا من الناس، منحازًا إلى قضاياهم، يرى في المعرفة رسالة لا سلطة، وفي الثقافة مسؤولية لا امتيازًا، وفي المسرح مساحة مفتوحة لطرح أسئلة الإنسان وهمومه وقضاياه. فالمسرح الذي لا يحمل هموم الناس، في رؤيته، يتحول إلى ترف غير مقبول، و لا يعول عليه،  كما يقول ابن عربي، بينما المسرح الحقيقي هو الذي يجعل من الخشبة منصةً للحوار حول المجتمع والإنسان والهوية.. وهكذا ظل الدكتور عيدابي مسرحيًا ملتزمًا، وشاعرًا وهب روحه للكلمة، وصوته للحق، وخطاه للمسرح الذي يريد أن يرى فيه عموم أهل السودان ، حاضرِين بتنوعهم وثقافاتهم وذاكراتهم ولهجاتهم، حيث تلتقي «الغابة والصحراء» لا بوصفهما ثنائية مغلقة، وإنما باعتبارهما جزءًا من فضاء سوداني أوسع. تشكل حضوره بهذه الصورة: والدكتور عيدابي ظل أنيقًا ككلماته، بسيطًا كملامحه، وعميقًا كقضيته وحين تولى رئاسة  قسم المسرح بمعهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية، و نائبا للعميد ، كان يحمل معه خبرة الفنون الشعبية وتجارب الفنون الأدائية في مظانها، ويحمل في الوقت نفسه هم التراث بوصفه معرفة حية لا مجرد ذاكرة محفوظة. ومن هذا المنطلق جاء اقتراحه باستيعاب أصحاب الخبرات الحياتية والفنية في الفنون الأدائية داخل المؤسسة الأكاديمية، في خطوة فتحت أفقًا جديدًا في التفكير، خارج الصندوق ، لأنها لم تنظر إلى المعرفة الأكاديمية باعتبارها المصدر الوحيد للخبرة، ولم تتعامل مع الفنان الشعبي بوصفه خارج المؤسسة الأكاديمية، بل حاولت أن تخلق مساحة لتبادل المعرفة بين صاحب التجربة الحياتية والأكاديمي المتخصص. كان يريد أن يمتد الفن من جذور الإنسان في بيئته إلى قاعات العلم والدرس الأكاديمي، في عملية تبادل تتسع فيها النظرة إلى المعرفة، ويتراجع فيها الحاجز بين «الصانع الشعبي» و«الأكاديمي المتمرس»، ليكون كل منهما مرآة للآخر لا ظلًا ثقيلًا عليه. وليس هذا غريبًا على أكاديمي جبل على التجديد،كالدكتور عيدابي . فمنذ أن تولى عمادة معهد الموسيقي و المسرح و الفنون الشعبية، خلفا للأستاذ الماحي إسماعيل صنوه في تأسيس المعهد ، ظل مشغولًا بإعادة النظر في المناهج، وربطها بتراث المسرح السوداني، مع الانفتاح على أحدث ما توصلت إليه المعارف المسرحية في مجالات التمثيل والإخراج والسينوغرافيا، والعلوم المساعدة مثل علم الجمال والفلسفة وتاريخ المسرح وغيرها، فاستقطب لها خيرة أساتذة جامعات الخرطوم و القاهرة فرع الخرطوم. كان يرى أن التطوير ،و التجديد في المسرح لا يعني القطيعة مع الماضي، كما لا يعني الوقوف عنده. فاستفاد من تجارب بخت الرضا في المسرح المدسي ، والاذاعة السودانية في الدراما الاذاعية ،  فالتراث بالنسبة له ، يمكن أن يكون مادة لإعادة اكتشاف الحاضر وصناعة المستقبل، والمسرح لا يتقدم إلا حين يملك القدرة على الجمع بين ذاكرته وأسئلته الجديدة.وعندما جاء الدكتور نبيل الألفي لتقييم تجربة المعهد وجد مؤسسة مكتملة البنيان المعرفي ،فانعكس ذلك في تقريره ثناءا. وحين يكتب د. يوسف عيدابي «الوافي في تاريخ المسرح السوداني»، فإنه لا يكتفي بتسجيل تاريخ، وإنما يحاول استعادة أجزاء من ذاكرة الفعل المسرحي السوداني من التبعثر والنسيان. فالتاريخ المسرحي، مثل جوانب كثيرة من الذاكرة الثقافية السودانية، ظل موزعًا بين النصوص والعروض والشهادات والتجارب الشخصية والوثائق المتناثرة. ومن هنا يصبح التوثيق عنده فعلًا ثقافيًا في حد ذاته؛ نورًا يتسلل إلى الزوايا المنسية من تاريخ المسرح السوداني، ليستعيد أسماء وتجارب وأحلامًا، ويوقظ الإيمان بأن المسرح السوداني قادر على العطاء، ما دام يجعل من الإنسان محورًا للفعل. الدكتور يوسف عيدابي فنان مشبع بتراث أمته وثقافتها الشعبية، لكنه لم ير في هذا التراث زينةً ثقافية أو مادة للاحتفاء الموسمي، بل رأى فيه مسؤولية. ولذلك امتد اهتمامه من الكتابة المسرحية إلى التوثيق والنشر وتأسيس المراكز الثقافية. وأسهم في تجارب ومؤسسات ثقافية عربية عديدة ، من بينها معرض الشارقة للكتاب وإدارة النشر بالهيئة العربية للمسرح ودارة الشيخ سلطان القاسمي للنشر، في سياق اهتمامه بالتوثيق للفعل الثقافي العربي وإتاحة المعرفة للأجيال الجديدة. كما أسس مركز عيدابي للثقافة والفنون، ليضطلع بمهام النشر والتوثيق للمسرح السوداني، فطبع عشرات العناوين، وجعل من فعل الطباعة منبرًا للوعي، ومن الكتاب جسرًا يصل الأجيال الجديدة بتراثها الثقافي. فحين يُطبع الكتاب، لا تُحفظ الكلمات وحدها، بل تُحفظ معها تجارب أصحابها وأسئلتهم وطرائق نظرهم إلى الحياة. ولعل عبارة «عموم أهل السودان» في تجربة الدكتور عيدابي تحمل أكثر مما يبدو في ظاهرها. فهي ليست مجرد تعبير لغوي، وإنما رؤية إلى الثقافة السودانية باعتبارها مجموعة من الثقافات المتعددة والمتنوعة التي تفاعلت وتداخلت وأسهمت جميعها في تكوين الإنسان السوداني. السودان، في هذا التصور، ليس ثقافة أحادية، ولا هوية مغلقة يمكن اختزالها في صوت واحد أو منطقة واحدة أو لغة واحدة. إنها فسيفساء واسعة من الثقافات واللغات واللهجات والذاكرات وأنماط الحياة. ولهذا كان السؤال بالنسبة إلى د. عيدابي: كيف يمكن أن يكون المسرح السوداني مسرحًا لـ«عموم أهل السودان»؟ السؤال في ذاته كان مشروعًا للتجريب ومن هنا جاءت تجربته في الكتابة المسرحية، التي استمدت مادتها من الإرث السوداني والحكايات الشعبية والتاريخ الاجتماعي، دون أن تجعل من التراث نصًا مغلقًا، وإنما مادة لإنتاج أسئلة جديدة فكانت مسرحية  «حصان البياحة»، المأخوذة عن كتاب «طبقات ود ضيف الله» لمحمد النور بن ضيف الله، إحدى أبرز محطات هذا التجريب. فالكتاب الذي يتناول الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء، ويقدم مادة مهمة للتعرف على حركة المجتمع السوداني في فترة الفونج، أصبح عند دكتور عيدابي مادة مسرحية تدخل إلى فضاء الأسئلة المعاصرة. وعندما عرضت «حصان البياحة» على المسرح القومي السوداني في موسم 1973-1974، أثارت جدلًا واسعًا، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن مشروع مسرحي يقوم على إعادة قراءة التراث من الداخل، لا على استنساخه. ففي المسرحية يحضر سؤال الهوية، وعلاقة الإنسان بطبيعته الفطرية والعقل الذي يسعى إلى إعادة تشكيل هذه الطبيعة، لتصبح الخشبة فضاءً آمنًا للحوار الثقافي حول القيم التي تحكم المجتمع. وهنا تكمن قيمة تجربة الدكتور  عيدابي؛ فهو لا يستدعي التراث لكي يهرب من الحاضر، وإنما يعود إليه لكي يفهم الحاضر. تغذت نصوصه من الشعر والحكاية الشعبية واللغة السودانية وتنوع اللهجات، فكانت سودانوية النفس، لكنها إنسانية الأفق. انتمت بعمق إلى تراب الوطن، لكنها لم تحبس الإنسان السوداني داخله، بل جعلت من تفاصيل حياته الصغيرة طريقًا إلى الأسئلة الإنسانية الكبرى. ومن «الغابة والصحراء» إلى الحكاية الشعبية، ومن الشعر إلى المسرح، ظل السؤال حاضرًا حول الهوية والتعدد والانتماء: كيف يمكن أن يعبر الفن عن السودان بكل تنوعه، دون أن

يوسف عيدابي.. حين يصبح المسرح ذاكرةً لـ”عموم أهل السودان” قراءة المزيد »

الدكتور يوسف عايدابي رحيق الأمكنة .. عبير الأزمنة

أ.د. سعد يوسف عبيد    توطئة  : قصرت خطاي عن حضور تكريم مهرجان المسرح التجريبي في القاهرة في سبتمبر القادم لأستاذي د. يوسف عايدابي .. فرأيت أن أشارك المحتفين بملخص للفصل الأول من كتابي ( الدكتور يوسف عايدابي .. رحيق الأمكنة .. عبير الأزمنة ) الذي كانت الهيئة العربية للمسرح قد أصدرته عام 2015 تحـت عنوان ( المسرح الذي نريد ) ذلك الكتاب الذي ضم إلى جانب كتابي : رسالة اليوم العربي للمسرح 2015 للدكتور يوسف عايدابي و شهادة علمية كتبها عنه الدكتور عبد الرحمن بن زيدان بجانب بعض من مسرحيات د. عايدابي . أحاول هنا فحص سيرته ومسيرته لتبيان خاصية (التأسيس ) عنده وتأثره وتأثيره على حركة الثقافة في السودان ومجمل الوطن العربي .  عايدابي وسط عمالقة الأدب والمسرح في السودان : في البدايات الأولى لسبعينيات القرن الماضي كانت بداياتنا الأولى في بلاط طيب الذكر شيخ المسارح السودانية ( المسرح القومي بأمدرمان ) ، يومها كنا مجموعة من الشباب : عثمان جمال الدين و عثمان علي الفكي وعثمان البدوي وصفوان والسني و أحمد إسماعيل و .. و.. كنا نفترش الأرض حول مسطبة الفكي عبد الرحمن التي يجمع فيها الفكي حوله ثلة من نجوم المسرح والأدب والتقافة و الفنون .. العبادي .. أبو الروس .. حسن عبد المجيد .. خورشيد .. هاشم صديق .. مكي سنادة .. حسن موسى و أحمد الطيب زين العابدين و غيرهم . و وسط هؤلاء رأينا للمرة الأولى يوسف عايدابي . كانوا يناقشون قضايا كثيرة في المسرح والموسيقى والتشكيل وعموم ضروب الثقافة .. و في المسرحية المعروضة في تلك الليلة على خشبة المسرح .. تعلو أصواتهم وهم يختلفون أو يتفقون ثم يضحكون كل بضحكته ذات العلامة المميزة . أما نحن فكنا نكتفي بالإستماع إذ كنا نفهم بعض ما يقولون ويستعصي علينا جل ما نسمع منهم ولكننا نجعل منه موضوعاً لجلساتنا الخاصة عندما نختلي بأنفسنا . يومها لاحظنا أن عايدابي ، ذلك الشاب الطويل القامة النحيف الجسم ، يتحدث لغة مختلفة .. يركب الجمل بطريقة خاصة .. في صوته رنة مميزة و له طرح جديد مغاير لكنه شديد التسامح مع رواد المسرح من ذوي العصبية لمسرحهم التقليدي . ولاحظنا أنه كان هادئاً في مناقشاته رغم وعورة لغته ، فتقربنا إليه أو إقترب هو منا فوجدناه بسيطاً حد الإحتفاء بتجاربنا الأولى الساذجة و متواضعاً رغماً عن إسمه الرنان في صحف الخرطوم وراديو أمدرمان وتلفزيون السودان .. ورغماً عن رئاسته لقسم المسرح في أول معهد للموسيقى والمسرح في السودان قبل أن يجلس على كرسي العمادة فيه .. وبين الشعراء والمنظرين وجدناه شامة بشعره المختلف وتنظيراته المتعمقة إذ لفتت أشعاره ومسرحياته ونظرياته نقاد ذلك الزمان . و ما أدراك ما نقاد ذلك الزمان .  الأمكنة والأزمنة الباكرة : من هو الدكتور يوسف عايدابي ؟ قد تبدو الإجابة سهلة لو قسناها إلى رنين الإسم على مستوى الوطن العربي وبعض إفريقيا ، ولكن عند البدء في الإجابة يسفر السؤال عن مدى عسره وصعوبته ووعورته .. فذلك الرجل طويل القامة معنىً ومبنىً .. الدائب النشاط يستبطن قدراً كبيراً من إنكار الذات والتواضع أدى إلى عدم إحتفائه بما ينجز .. فلا يعلن عن نفسه ولا يوثق لإنجازاته ولا يحتفظ بالكثير من إبداعاته . الدكتور خالد المبارك ( في تقديمه للكتاب الذي صدر عن مسرح البقعة من تحرير علي مهدي وضم عدداً من أبحاث د.عايدابي و نشير إليه هنا ب (البقعة 2006) يصفه بأنه ( قامة شامخة في الحركة الثقافية السودانية شاعراً ومسرحياً وإدارياً ) قد لاحظ د. خالد تلك الخصلة في رفيقه حين قال عنه : ( المدهش أن د. يوسف عايدابي يظلم نفسه بالتواضع السوداني الشهير فلا يذكرإسهامه ) . بل إن د.عايدابي نفسه يعترف بشيء من ذلك في واحدة من الحوارات الصحفية الجيدة التي أجراها معه الناقد عصام أبوالقاسم يعدد الأسباب التي جعلت بعض الكتابات تهمل ذكر إسمه ضمن المؤسسين للغابة والصحراء فقال من بين ما قال : ( لأنني لم أنشر شعري أو أنني لم أجمع أشعاري التي نشرت بالصحف أو أن البعض غيبها بشكل أو بآخر ) (عصام 2006 : www.sudan-for all.org  ) ولذلك فإنني ، و برغم محاولاتي المتواصلة للحصول على المعلومات والوثائق عنه وحوله أحس بالنقص الذي يجب أن يكمله شخص ما .. في مكان ما.. يوماً ما. عندما أتأمل مسيرة أستاذنا الدكتور يوسف عايدابي عبر الأمكنة والأزمنة المتعددة ، أكاد أجزم بأنني إنما أتأمل شخوصاً متعددة في جسد واحد تحكمها فكرة واحدة و مبدأ واحد لا يتغيران ولكنهما ينموان عبر الأزمنة . إنها شخوص تمتص رحيق الأمكنة ولا تغادرها إلا بعد أن تترك عليها أثراً باقياً . يوسف عايدابي أصوله من البجا كبرى المجموعات القبلية في شرق السودان ، وقد تحدث عن هذه الأصول في حوار ثر مع الناقد راشد مصطفى بخيت قائلاً : ( فأنا مثلاً بجاوي الأصل من عيذاب الميناء القديم ) (راشد ب.ت : www.sudan-for all.org  ) إمتص بعضاً من سماتهم و ترك فيهم قصائده المطولة .. ونبش في تراثهم وصنع أفلاماً خلدت حيواتهم وموانيهم القديمة والمستحدثة . عاش طفولته وصباه الباكر في رفاعة جنوبي الخرطوم .. رفاعة التي سبقت بخت الرضا كمنارة من منارات التعليم الحديث في السودان في بواكير القرن العشرين حين أسس الشيخ بابكر بدري مدارسه هناك وأهمها أول مدرسة للبنات في السودان ، فكان مجتمعها مجتمعاً متعلماً .. ونساؤها المتعلمات هن اللائي أنجبن و ربين جيل يوسف عايدابي والأجيال السابقة له. و من رفاعة ومدرستها  –أيضاً- خرج إشعاع العروض المسرحية في السودان منذ العام 1903 . فكانت تلك رفاعة قبل مولد يوسف عايدابي بعشرات السنين. أما رفاعة التي عاشها عايدابي فكانت تعج بالنشاط الثقافي الذي انخرط فيه يوسف عايدابي .. ففي هذا المكان وذاك الزمان إمتص رحيق المسرح والشعر وعموم مفردات الثقافة ولكنه كعادته طبع على صفحتها عروضاً مسرحية ومثاقفات وعلاقات إنسانية قبل أن يغادرها للخرطوم العاصمة.   في خرطوم ما بعد الإستقلال .. ورومانيا .. و خرطوم السبعينيات : في خرطوم ما بعد الإستقلال ، التي كانت تشهد حراكاً ثقافياً وسياسياً وإجتماعياً عريضاً ، نفر عايدابي من التقليدية بكل أشكالها وانحاز إلى الطليعية ( حاولنا تقديم بعض النصوص في الجامعة على شاكلة مختلفة ، فمثلاً محمد عبد الحي وأنا وأبوذكرى وعلي عبد القيوم كنا نناقش ونقرأ للوركا ومايكوفيسكي و بعض الأدباء . وكنا نكتب مطولات بسيطة بها نفس ملحمي ) (راشد ب.ت : www.sudan-for all.org  ) ثم شكل مع ثلاثة من رفاقه جماعة الغابة والصحراء الشهيرة التي يقول عنها د. خالد المبارك ( أخذت الجماعة في مطلع الستينيات من القرن الماضي إسمها من عبارة للشاعر السينيغالي ليوبولد سينغور

الدكتور يوسف عايدابي رحيق الأمكنة .. عبير الأزمنة قراءة المزيد »

التوثيق بوصفه كتابة ثانية لذاكرة المسرح عند يوسف عايدابي قراءة في كتاب “الوافي في تراث المسرح في السودان”

د. بشار عليوي مخرج وناقد مسرحي _العراق تمهيد من بديهي القول, إن أزمة المسرح العربي اليوم, لا تتمثل في ندرة النصوص أو شحّ التجارب الإخراجية أو تراجع الإنتاج فحسب, وإنما تكمن, قبل ذلك في هشاشة الذاكرة التي تحفظ هذا التاريخ وتؤسس لاستمراره, فالمسرح بوصفه فناً لحظوياً يُقدم مُجسداً على خشبة المسرح ثُمَ لا يلبث أن يتوارى بوصفاً فن الفُرجة الحية حينما لا يبقى منه إلا ما تنجح هذهِ الذاكرة الثقافية في توثيقه وحفظه وتحويله إلى معرفة قابلة للتداول والبحث من قبل فواعل ثقافية, ومن هنا, فإن التوثيق لا يُعد عملاً مكملاً للممارسة المسرحية أو هامشاً لها, بل يُمثل أحد أهم شروط بقائها واستمرارها لأنه يُحول المنجز المسرحي من حدث عابر إلى مرجع تاريخي, ومن تجربة فردية إلى رصيد ثقافي تتناقله الأجيال. لقد عانى المسرح العربي على امتداد عقود طويلة, من فجوة واضحة بين وفرة النشاط المسرحي من جهة, وضعف مشاريع التوثيق العلمي من جهة أخرى. فكثير من العروض والنصوص والوثائق والصور والشهادات والبيانات التاريخية ضاعت أو بقيت حبيسة الأرشيفات الشخصية, وفي هذا السياق, يكتسب كتاب “الوافي في تراث المسرح في السودان” الصادر حديثاً عن الهيئة العربية للمسرح للدكتور يوسف عايدابي أهمية استثنائية, ليس بوصفه كتاباً يؤرخ للمسرح السوداني فحسب, وإنما باعتباره مشروعاً معرفياً يسعى إلى إعادة بناء ذاكرة مسرحية كاملة عبر جمع المادة المتناثرة وتوثيقها وتصنيفها وإعادة تقديمها ضمن نسق علمي يتيح للباحثين والدارسين والمهتمين الوقوف على تطورات المسرح السوداني ومراحله ورموزه وتحولاته. فالكتاب لا يقدم سرداً تاريخياً تقليدياً, بقدر ما يؤسس لبنية مرجعية شاملة تجعل من التوثيق نفسه فعلاً ثقافياً يوازي في أهميته فعل الإبداع المسرحي, ولا تنبع قيمة هذا المنجز من موضوعه وحده, بل من شخصية مؤلفه أيضاً, فالدكتور يوسف عايدابي ليس باحثاً جاء إلى المسرح من خارجه, وإنما هو أحد صناع الحركة المسرحية السودانية الحديثة, وممن أسهموا في صياغة أسئلتها الفكرية والجمالية منذ ستينيات القرن الماضي وهو في الوقت نفسه شاعر وكاتب مسرحي وناقد وأكاديمي ومخطط ثقافي جمع بين التجربة الإبداعية والممارسة المؤسسية والعمل البحثي الأمر الذي منح مشروعه التوثيقي بعداً معرفياً يتجاوز حدود التسجيل التاريخي إلى قراءة الثقافة المسرحية بوصفها نتاجاً للحياة الاجتماعية والفكرية في السودان, ولعل هذه الخلفية الفكرية هي التي تجعل هذا الكتاب امتداداً طبيعياً لمسيرة طويلة انشغل فيها “عايدابي” بسؤال الهوية الثقافية السودانية وبالعلاقة بين التراث والمسرح وبين الموروث الشعبي والحداثة, وبين الخصوصية الوطنية والانتماء العربي والإفريقي. فمنذ تنظيره لفكرة (مسرح لعموم أهل السودان) في سبعينيات القرن الماضي, ظل “عايدابي” ينظر إلى المسرح باعتباره فضاءً جامعاً للتعدد الثقافي ومجالاً لإعادة اكتشاف الشخصية السودانية في تنوعها اللغوي والإثني والثقافي ومن هنا فإن انتقاله لاحقاً إلى مشروع التوثيق لا يمثل تحولاً في اهتماماته, بقدر ما يعبر عن تطور طبيعي في مسار مشروعه الفكر, إذ لا يمكن الدفاع عن هوية ثقافية من دون حفظ ذاكرتها ولا يمكن كتابة تاريخ المسرح من دون بناء أرشيف علمي متين. لا يمكن قراءة هذا الكتاب بمعزل عن التحولات الكبرى التي شهدها المسرح العربي خلال العقود الأخيرة, وفي مقدمتها صعود المشاريع المؤسسية الهادفة إلى توثيق التجارب المسرحية العربية, وفي طليعتها مشاريع الهيئة العربية للمسرح في الشارقة, التي اضطلعت بدور محوري في نشر الدراسات المرجعية, وإحياء الذاكرة المسرحية العربية, وإطلاق مبادرات نوعية في مجالات التوثيق والبحث والنقد والتكوين. وقد كان الدكتور يوسف عايدابي واحداً من أبرز العقول التي أسهمت في ولادة هذه المشاريع وصياغة رؤاها. يوسف عايدابي … مشروع ثقافي حين يُذكر اسم د.عايدابي في سياق المسرح العربي, فإن الذهن لا ينصرف إلى كاتب مسرحي أو ناقد أو أكاديمي فحسب وإنما إلى مشروع ثقافي متكامل تشكل عبر أكثر من ستة عقود من الاشتغال المتواصل بالإبداع والبحث والتخطيط الثقافي والعمل المؤسسي فالرجل الذي بدأ رحلته الأدبية في مطلع ستينيات القرن العشرين بنشر قصته (حبيبتي ومحارات البحار السبعة) في مجلة الأديب اللبنانية لم يكن يدرك آنذاك أن مسيرته ستغدو واحدة من أكثر التجارب العربية تأثيراً في الجمع بين الفكر المسرحي والتوثيق الثقافي وصناعة المؤسسات, وأن اسمه سيغدو لاحقاً مرادفاً لجملة من المشاريع التي أسهمت في إعادة تشكيل المشهد المسرحي في السودان والإمارات, وفي فضاء المسرح العربي بصورة عامة. ولا تكمن خصوصية د.عايدابي في تعدد صفاته المهنية بقدر ما تكمن في وحدة مشروعه الفكري, فهو شاعر وكاتب مسرحي وناقد وباحث وأكاديمي ومخطط ثقافي وإداري, إلا أن هذه المسارات لم تكن متجاورة أو متوازية بل كانت تصب جميعها في رؤية واحدة ترى في الثقافة مشروعاً حضارياً متكاملاً, وفي المسرح وسيلة لفهم المجتمع وإعادة إنتاج وعيه بذاته لذلك ظل انتقاله بين الكتابة الإبداعية والبحث الأكاديمي والعمل الإداري والتوثيق, انتقالاً عضوياً لا تحكمه المصادفة بل تفرضه طبيعة المشروع الذي انشغل به منذ سنواته الأولى, فقد شكّلت دراسته الأكاديمية في رومانيا وحصوله على درجة الدكتوراه في تاريخ ونظرية المسرح عن أطروحته الموسومة “توظيف الأساطير في المسرح العربي المعاصر” منعطفاً مهماً في تكوينه العلمي فهذه الدراسة لم تمنحه أدوات البحث المقارن فحسب, بل وسّعت أفقه في النظر إلى المسرح باعتباره ظاهرة ثقافية تتقاطع فيها الأسطورة والتاريخ والهوية والذاكرة, وربما يفسر ذلك اهتمامه اللاحق بالتراث الشعبي وبالموروثات الثقافية, وبالعلاقة بين المسرح والهوية الوطنية وهي الموضوعات التي ستصبح لاحقاً محاور ثابتة في معظم كتاباته النظرية والنقدية. ولعل أكثر ما يميز مشروع د.عايدابي الفكري هو انشغاله المبكر بسؤال الهوية السودانية وهو السؤال الذي كان في سبعينيات القرن الماضي أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في الثقافة السوداني  فقد جاء تنظيره لمفهوم “مسرح لعموم أهل السودان” بوصفه محاولة لتجاوز الثنائية التقليدية بين الثقافة العربية والثقافة الإفريقية والدعوة إلى مسرح يعبر عن التعدد الثقافي الذي يميز المجتمع السوداني وينطلق من الاعتراف بأن الهوية السودانية ليست هوية أحادية أو مغلقة وإنما هي حصيلة تفاعل تاريخي بين روافد حضارية متعددة. ومن هنا جاءت مسرحيته الشهيرة “حصان البياحة” عام 1974 تجسيداً عملياً لهذه الرؤية إذ لم تكن مجرد نص مسرحي, بل بياناً ثقافياً يترجم تصوره النظري لمسرح قادر على مخاطبة جميع السودانيين, بعيداً عن الإقصاء أو الاحتكار الثقافي, ولم يكن هذا التصور منفصلاً عن مشاركته الفكرية في تأسيس تيار (الغابة والصحراء) إلى جانب الراحل محمد عبد الحي وعدد من المثقفين السودانيين, ذلك التيار الذي أعاد طرح سؤال الهوية السودانية من منظور يرى السودان فضاءً يلتقي فيه البعدان العربي والإفريقي ويتفاعلان في إنتاج ثقافة ذات خصوصية تاريخية وجمالية, وإذا كان هذا التيار قد تجلى في الشعر والرواية والفنون التشكيلية, فإن عايدابي نقل روحه إلى المسرح, حيث سعى إلى بناء خطاب مسرحي ينطلق من التراث المحلي دون أن ينغلق عليه, ويستفيد من المنجز المسرحي العالمي دون أن يفقد خصوصيته الثقافية. أن ما يلفت الانتباه في تجربة د. يوسف عايدابي هو أنه

التوثيق بوصفه كتابة ثانية لذاكرة المسرح عند يوسف عايدابي قراءة في كتاب “الوافي في تراث المسرح في السودان” قراءة المزيد »

” قراءة في كتاب الوافي في تاريخ المسرح في السوان “

نورس عادل /العراق ..الواحدُ لا يكونُ إلا بالآخر… ثمّةَ جملةٌ عميقةٌ تتكسر على أعتابها نوايا التكاسل لقارئٍ ما لتمثل عنده نقطةَ تحولٍ لمزاج جاذبٍ يدعمُ ميولهُ في اكمالِ قراءةِ ما بدأهُ، جملةٌ وثيقة الصّلة بمعنىً فارق شكّلتهُ التجربة الكتابية لديه لتضعه خارجَ اسرابِ من يستثمرُ اللغة في الكتابة ولا يوظّف آلياتها بالتفكُّر، فالقراءةُ عادةً لا تشمل خياراً ثالثاً فإما أن تولدَ ميتةً كجنينٍ ألتفت حول عنقه مشيمتهُ المغذيةُ لتحاصرَ انفاسه قبل أن يولدَ وقبل أن يتاح له حضوره الخاص في أفقٍ من انطولوجيا الانتظار ، أو أن تشرقَ تلك القراءةُ بفواعلَ تنبثقُ عنها حياةٌ قادمة بأسرارها وسرديتها الخاصة وتضع روحها وسريرتها بين يدي قارئٍ يدحضُ الغياب عنها عبر تعشيق زمنهِ الخاص بالازمنة المتعددة لماهية النّص وجوهرهِ في الوجود الثقافي، حينئذٍ فقط تتفتح ازاهير  الاسئلة عن هوامش نص وتصعدُ من قرارتها الى مقدّماتهِ وتنتاب القارئَ حالةٌ أقرب ما تكون الى ولوجِ صدعٍ تتولد فيه المعرفة ما بين العيانِ والتفكُّرِ والمشاركةِ، ولا سيَّما عند حدود التعاطي الذي يفرضه عَقدُ النص عبر تمريرِ حسبةٍ مغايرةٍ وحساسيّات فارقة تجعلُ القارئَ يتنقل ما بين حس الامتاع ولذةِ الكشفِ ومكرِ التربُّص واستدراجِ مقدرته على الاشتباك مع المرجعياتِ الفكريةِ والمراجعاتِ الجمالية لبنية النَّص ومفازاتهِ …. يحدثُ كل ذلك عبر ما تكتنزه جملةٌ واحدةٌ لها أن تمُرَّ على البعض مجردة وعابرة ما بين آلاف الجمل، حسناً فالحساسيات تختلفُ من ذاتٍ لأخرى وقد تُشكل عند آخرين أثراً للحقيقةِ المبتغاة ومفترق طرقٍ لتربص وشغفٍ وفضول يتأتَّى بالتوالد فتعاد على وفق مرادهِ صياغات مغايرة لرؤى واستراتيجية مختلفةٍ تُعيدُ النظرَ  إلى النص وما يضمرهُ من مقدرة على مفاتحة وتحرير  العديد من قنوات الاتصال ما بين زمن القارئ ونواياهُ المُسبَقةِ وبين أزمنة النص المتعددة بادئ ذي بدء ، بخاصة إذا ما تصدَّرت هذه الجملة ملحوظات مقدمة لمجلد ضخم يسعى مُؤلِّفهُ جاهداً لتوخي سبل التوثيق المنهجي والعلمي لتاريخ طويل من الممارسات الفنية والمسرحية لشعب ينتمي له هذا المُؤلِف ويُقدس وجوده وقيمه ويسهم في استلهام حضوره على نحو متفرد …وعلى أي حالٍ لن نجد بد من الإشارة إلى أن أي قراءة لن تمثل سوى محاولة تصطنعها وريقات معدودة أمام المئات من صفحات ضمتها عناية مُؤَلف يزيد عن (760) صفحة ولن يتحقق مراد مقال واحد في الايفاء بالجهود المبذولة بين مغلفي كتاب ( الوافي في تاريخ المسرح في السوداني _ من عروض مسارح الجاليات إلى مواسم المسرح القومي ) لمؤلفه (الدكتور يوسف عايدابي) وهو مجلد ضخم يضم (ستة اجزاء) من القطع المتوسط وقد صدر  في (طبعته الاولى) ضمن حقل الدراسات للعام(2025) عن الامانة العامة للهيئة العربية للمسرح / الشارقة.. فبالرغم من كونه يقع ضمن مراد التوثيق إلا أنه يقيم حيداً خاصاً من مسافة جمالية مغايرة تشي بدور يقترن بالراوي الموثوق تارةً وبالناقد السارد والمحلل تارةً أخرى، فالمُؤلِّفُ يعمد إلى تعضيد مسائلاته النقدية التي تتعشق بسمارها التواريخ وتستحضر  بمسامرتها مقدرةً شفيفة تضطلعُ بمهام تجسير العلاقة ما بين ذاكرة وفم وما بين نوايا صادقة لأصابع صقلتها اوجاع التجربة الفنية والانسانية، هذه النوايا التي لن تخالف تصور قارئ اسعفتهُ فرصة التعرف على شخصية الدكتور عايدابي هذه الشخصية التي لم تترجل عن فضاءات المشهد الثقافي العربي منذ أكثر من نصف قرن، بل ولم تخالف كتاباتهُ طباعهُ المتفردة ولم تخرج عن مدارها المتُصوّر لمثقفٍ موسوعي نبيل .. تلك الشخصية القريبة على قلب كل من يتعرف عليها أو يلامس روحها الشفيفة عن قربٍ، فهو المسرحي العربي الذي يزاول المسرح نقداً وكتابةً وصحافة وتنظير ، وهو ذاته الذي اضطلع بمهام تعرية تواريخ المُستعمِر  في بنية المشهد المسرحي العربي وعمل على تعضيد العديد من عمليات تأصيل التجربة المسرحية العربية حيثما كان آملاً في دحض عوامل النسيان التي تحاول أن تواري بالسكوت والاهمال تاريخاً طويلاً من الحراك العنيد الذي جسدته تلك التجربة، بخاصة للذين اسهموا بصناعتها وعاشوا لحظات مجدها وتعرفوا على الجهود الحثيثة التي صنعت وجوده عبر أكثر من قرن من زمن التجربة المسرحية العربية، ومع هذا لا تجده يعمد إلى الغاء أثر الآخر أو يمارس الاحتيال على مقدرة الثقافات وخصيصتها الأبدية بالتعابر  والتناسج واجتيازها الدائب لحدود الارض والوعي بعناد جيني أو باصطناع تواريخ زائفة أو بتزويق هويات هاربة عن مدار الحقيقة  ” فالواحدُ لا يكونُ إلا بالآخر ” وربَّ جملة قادرة على توريط قارئ كان ينوي العُجالةَ في تقليب صفحات كتاب أثقل من أن تحمله يدٌ واحدةٌ.. جملة تمتلك مقدرة التمكين الدراماتورجي وهي تعيد صياغة النوايا المُسبَقَة لمن لم يكن ينوي أن يخوض حيداً من مسائلات التجربة المسرحية لبلاد لطالما تآكلتها المحن وقُوِضت فضاءاتها الحرة بالحروب المستعصية وبالكوارث الطبيعية التي تغدق عليها وكأنها هِبات الابد ومشيئة الرب الأحد.. تلك البلاد التي ما عادت تمارس المسرح ولا المهرجانات بالسهولة ذاتها التي تمارسها البلدان المجاورة  وكلنا يفهم الأسباب ويدرك أثر المتغير الاجتماعي والراهن السياسي على ديمومة المسرح في أي بقعة من بقاع الارض.. ” ففي أم درمان عرفنا المسرح القومي ” هكذا يصف الدكتور عايدابي صعوبات انبثاق المسرح بصورته الحديثة ”  وهو مسرح مكشوف مفتوح على السماء على صوت الرعد وتساقط الامطار، على ضجيج الشارع وابواق السيارات على فيضان النيل وتعطل الكهرباء بسبب المياه.. هو ذا مسرح ليس كالمسرح ” (ص220) ففي بلاده وعبر مراحل انبثاقه المبكرة جاءت ولادة المسرح بعسر ، ففي العام (1903) ( بحسبه )كان التاريخ يزاول فرائضه لانبثاق المسرح الحديث في السودان على يد (البار بابكر صدقي) الذي عده المؤلف الأب الروحي لتلك الانعطافة والمفترق التأسيسي لطرق المسرح التي تمايزت عن ما قبله من تجارب الفرجة والفلوكلور ذات الطابع الشعبي الذي أرتبط بجذور الممارسات القبلية والمجتمعية ” مثل فرجات الزفاف/ والسيرة/ وموكب العرائس/ومراسم العزاء ذات الطقوس المتنوعة/ ومراسم الزار…إلخ “ص(221) وما بعد ذلك التاريخ حيث أعيد تشكيل التجربة المسرحية بالمزامنة والاتساق مع فتح دور التعليم وربط التجربة الفرجوية بقنوات الدرس التي ظهرت بالتزامن معها ومع افتتاح اول المدارس في بلاد السودان.. فقد عني الجزء الاول من هذا المُؤَلَّف بتسليط الضوء على التجارب المسرحية لتلك العروض التي صحبتها الجاليات الوافدة إلى السودان في بدايات القرن العشرين بدءً من المسرح في المدرسة الذي مثلته النشاطات اللاصفيّة لحفلات التخرج والمناسبات الخيرية أو تلك التي تضمنت شكلاً من أشكال الاحتفاء بالزيارات الرسمية لبعض الشخصيات الهامة آنذاك، ولعلَّ أهمها البادرة التي بدرتها مدرسة (البنات للرسالة الكاثوليكية) التي سمحت للبنات في أن يقدمن رواية أدبية على شكل مسرحية وأن يمثلن فيها ، كما وثّقَ هذا الجزء لظهور اول جمعية للتمثيل في السودان( جمعية التمثيل) والتي اعدت منهاجاً اسبوعياً يقترن بمفهوم الربرتوار  في تقديم عروضها المسرحية فيما زاولت بعض الفرق المسرحية الأُخرى ممارستها الفنية عبر تقديم عروضها في المقهى الذي (يراهُ المُؤلِّف) البادرة التأسيسية التي أفضت إلى افتتاح

” قراءة في كتاب الوافي في تاريخ المسرح في السوان “ قراءة المزيد »