الدكتور يوسف عايدابي رحيق الأمكنة .. عبير الأزمنة
أ.د. سعد يوسف عبيد توطئة : قصرت خطاي عن حضور تكريم مهرجان المسرح التجريبي في القاهرة في سبتمبر القادم لأستاذي د. يوسف عايدابي .. فرأيت أن أشارك المحتفين بملخص للفصل الأول من كتابي ( الدكتور يوسف عايدابي .. رحيق الأمكنة .. عبير الأزمنة ) الذي كانت الهيئة العربية للمسرح قد أصدرته عام 2015 تحـت عنوان ( المسرح الذي نريد ) ذلك الكتاب الذي ضم إلى جانب كتابي : رسالة اليوم العربي للمسرح 2015 للدكتور يوسف عايدابي و شهادة علمية كتبها عنه الدكتور عبد الرحمن بن زيدان بجانب بعض من مسرحيات د. عايدابي . أحاول هنا فحص سيرته ومسيرته لتبيان خاصية (التأسيس ) عنده وتأثره وتأثيره على حركة الثقافة في السودان ومجمل الوطن العربي . عايدابي وسط عمالقة الأدب والمسرح في السودان : في البدايات الأولى لسبعينيات القرن الماضي كانت بداياتنا الأولى في بلاط طيب الذكر شيخ المسارح السودانية ( المسرح القومي بأمدرمان ) ، يومها كنا مجموعة من الشباب : عثمان جمال الدين و عثمان علي الفكي وعثمان البدوي وصفوان والسني و أحمد إسماعيل و .. و.. كنا نفترش الأرض حول مسطبة الفكي عبد الرحمن التي يجمع فيها الفكي حوله ثلة من نجوم المسرح والأدب والتقافة و الفنون .. العبادي .. أبو الروس .. حسن عبد المجيد .. خورشيد .. هاشم صديق .. مكي سنادة .. حسن موسى و أحمد الطيب زين العابدين و غيرهم . و وسط هؤلاء رأينا للمرة الأولى يوسف عايدابي . كانوا يناقشون قضايا كثيرة في المسرح والموسيقى والتشكيل وعموم ضروب الثقافة .. و في المسرحية المعروضة في تلك الليلة على خشبة المسرح .. تعلو أصواتهم وهم يختلفون أو يتفقون ثم يضحكون كل بضحكته ذات العلامة المميزة . أما نحن فكنا نكتفي بالإستماع إذ كنا نفهم بعض ما يقولون ويستعصي علينا جل ما نسمع منهم ولكننا نجعل منه موضوعاً لجلساتنا الخاصة عندما نختلي بأنفسنا . يومها لاحظنا أن عايدابي ، ذلك الشاب الطويل القامة النحيف الجسم ، يتحدث لغة مختلفة .. يركب الجمل بطريقة خاصة .. في صوته رنة مميزة و له طرح جديد مغاير لكنه شديد التسامح مع رواد المسرح من ذوي العصبية لمسرحهم التقليدي . ولاحظنا أنه كان هادئاً في مناقشاته رغم وعورة لغته ، فتقربنا إليه أو إقترب هو منا فوجدناه بسيطاً حد الإحتفاء بتجاربنا الأولى الساذجة و متواضعاً رغماً عن إسمه الرنان في صحف الخرطوم وراديو أمدرمان وتلفزيون السودان .. ورغماً عن رئاسته لقسم المسرح في أول معهد للموسيقى والمسرح في السودان قبل أن يجلس على كرسي العمادة فيه .. وبين الشعراء والمنظرين وجدناه شامة بشعره المختلف وتنظيراته المتعمقة إذ لفتت أشعاره ومسرحياته ونظرياته نقاد ذلك الزمان . و ما أدراك ما نقاد ذلك الزمان . الأمكنة والأزمنة الباكرة : من هو الدكتور يوسف عايدابي ؟ قد تبدو الإجابة سهلة لو قسناها إلى رنين الإسم على مستوى الوطن العربي وبعض إفريقيا ، ولكن عند البدء في الإجابة يسفر السؤال عن مدى عسره وصعوبته ووعورته .. فذلك الرجل طويل القامة معنىً ومبنىً .. الدائب النشاط يستبطن قدراً كبيراً من إنكار الذات والتواضع أدى إلى عدم إحتفائه بما ينجز .. فلا يعلن عن نفسه ولا يوثق لإنجازاته ولا يحتفظ بالكثير من إبداعاته . الدكتور خالد المبارك ( في تقديمه للكتاب الذي صدر عن مسرح البقعة من تحرير علي مهدي وضم عدداً من أبحاث د.عايدابي و نشير إليه هنا ب (البقعة 2006) يصفه بأنه ( قامة شامخة في الحركة الثقافية السودانية شاعراً ومسرحياً وإدارياً ) قد لاحظ د. خالد تلك الخصلة في رفيقه حين قال عنه : ( المدهش أن د. يوسف عايدابي يظلم نفسه بالتواضع السوداني الشهير فلا يذكرإسهامه ) . بل إن د.عايدابي نفسه يعترف بشيء من ذلك في واحدة من الحوارات الصحفية الجيدة التي أجراها معه الناقد عصام أبوالقاسم يعدد الأسباب التي جعلت بعض الكتابات تهمل ذكر إسمه ضمن المؤسسين للغابة والصحراء فقال من بين ما قال : ( لأنني لم أنشر شعري أو أنني لم أجمع أشعاري التي نشرت بالصحف أو أن البعض غيبها بشكل أو بآخر ) (عصام 2006 : www.sudan-for all.org ) ولذلك فإنني ، و برغم محاولاتي المتواصلة للحصول على المعلومات والوثائق عنه وحوله أحس بالنقص الذي يجب أن يكمله شخص ما .. في مكان ما.. يوماً ما. عندما أتأمل مسيرة أستاذنا الدكتور يوسف عايدابي عبر الأمكنة والأزمنة المتعددة ، أكاد أجزم بأنني إنما أتأمل شخوصاً متعددة في جسد واحد تحكمها فكرة واحدة و مبدأ واحد لا يتغيران ولكنهما ينموان عبر الأزمنة . إنها شخوص تمتص رحيق الأمكنة ولا تغادرها إلا بعد أن تترك عليها أثراً باقياً . يوسف عايدابي أصوله من البجا كبرى المجموعات القبلية في شرق السودان ، وقد تحدث عن هذه الأصول في حوار ثر مع الناقد راشد مصطفى بخيت قائلاً : ( فأنا مثلاً بجاوي الأصل من عيذاب الميناء القديم ) (راشد ب.ت : www.sudan-for all.org ) إمتص بعضاً من سماتهم و ترك فيهم قصائده المطولة .. ونبش في تراثهم وصنع أفلاماً خلدت حيواتهم وموانيهم القديمة والمستحدثة . عاش طفولته وصباه الباكر في رفاعة جنوبي الخرطوم .. رفاعة التي سبقت بخت الرضا كمنارة من منارات التعليم الحديث في السودان في بواكير القرن العشرين حين أسس الشيخ بابكر بدري مدارسه هناك وأهمها أول مدرسة للبنات في السودان ، فكان مجتمعها مجتمعاً متعلماً .. ونساؤها المتعلمات هن اللائي أنجبن و ربين جيل يوسف عايدابي والأجيال السابقة له. و من رفاعة ومدرستها –أيضاً- خرج إشعاع العروض المسرحية في السودان منذ العام 1903 . فكانت تلك رفاعة قبل مولد يوسف عايدابي بعشرات السنين. أما رفاعة التي عاشها عايدابي فكانت تعج بالنشاط الثقافي الذي انخرط فيه يوسف عايدابي .. ففي هذا المكان وذاك الزمان إمتص رحيق المسرح والشعر وعموم مفردات الثقافة ولكنه كعادته طبع على صفحتها عروضاً مسرحية ومثاقفات وعلاقات إنسانية قبل أن يغادرها للخرطوم العاصمة. في خرطوم ما بعد الإستقلال .. ورومانيا .. و خرطوم السبعينيات : في خرطوم ما بعد الإستقلال ، التي كانت تشهد حراكاً ثقافياً وسياسياً وإجتماعياً عريضاً ، نفر عايدابي من التقليدية بكل أشكالها وانحاز إلى الطليعية ( حاولنا تقديم بعض النصوص في الجامعة على شاكلة مختلفة ، فمثلاً محمد عبد الحي وأنا وأبوذكرى وعلي عبد القيوم كنا نناقش ونقرأ للوركا ومايكوفيسكي و بعض الأدباء . وكنا نكتب مطولات بسيطة بها نفس ملحمي ) (راشد ب.ت : www.sudan-for all.org ) ثم شكل مع ثلاثة من رفاقه جماعة الغابة والصحراء الشهيرة التي يقول عنها د. خالد المبارك ( أخذت الجماعة في مطلع الستينيات من القرن الماضي إسمها من عبارة للشاعر السينيغالي ليوبولد سينغور
الدكتور يوسف عايدابي رحيق الأمكنة .. عبير الأزمنة قراءة المزيد »





