تقدمة وتلخيص : مصعب الصاوي
إعداد “جمهرة ” موسوعية عن المسرح والحياة المسرحية في السودان ليس بالمهمة السهلة التي يخف لإعدادها كل مجتهد أو هاوٍ أو متطوع، وإنما هي من ضروب الأشغال الشاقة التي تتطلب من المتصدي لها معرفة راسخة وواثقة بتاريخ المسرح في السودان .. مساراته وتطوره ، تياراته ورموزه وأعلامه ومصادره معرفة الإنسان المتمكث الثبت والناقد الصيرفي صاحب العقل الراجح والمثابرة والأناة.
وليس أجدر من الدكتور يوسف عايدابي بهذه المهمة فالأستاذ ليس ضيفاً عابراً على المشهد المسرحي السوداني، بل ظل صانعاً ومؤثراً وفاعلاً فيه منذ ميعة الصبا وشرخ الشباب وحتى يوم الناس هذا. وحاله مع المسرح وأهله كحال التجاني يوسف بشير والمعهد العلمي:
”هو معهدي ولئن حفظت صنيعه .. فأنا ابن سرحته الذي غنى به”
إذن فإصدار موسوعة عن الحياة المسرحية السودانية في مصنفه “الوافي” هو ثمرة لغراس بعيد بدأه منذ تجشّم أول شبابه الهجرة لطلب علوم المسرح والسينما في مظانها الأوربية، ونال الدكتوراة في تاريخ ونظرية المسرح من جامعة بوخارست برومانيا عام 1979م “في بلاد تموت من البرد حيتانها”.
وعاد إلى وطنه السودان ليتصل إنشغاله بأمر المسرح في رواق المعهد العالي للموسيقى والمسرح . كذلك لم يغب المسرح عن باله إدارياً ومخططاً ثقافياً في مصلحة الثقافة في السودان ومعداً لبرنامج “فنون” بالإذاعة السودانية، ومشاركاً في أزهى مواسمه بأعمال مسرحية من تأليفه، ومنظراً “لمسرح عموم أهل السودان” في أدبيات ذلك الزمان الخصيب ولاريب أنه نقل بعضاً من تجاربه تلك حين تسلم قيادة الشأن الثقافي والإعلامي بشارقة الأنوارالتي تشهد بكسبه وسبقه في إرساء قواعد الاهتمام بالمسرح تطبيقاً وتنظيراً، حتى صارت الشارقة وجهة عربية مسرحية تهوي إليها أفئدة المسرحيين من كل حدب وصوب بفضله تعالى ثم برعاية ودعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
وامتدت وجوه عطاء الدكتور يوسف إلى “الهيئة العربية للمسرح” صاحبة إصدار هذا المصنف والتي ظلت تقوم بأدوار في خدمة النشاط المسرحي العربي نُعد منها ولا نعدّدها. إن مهمة التصدي لإعداد هذه الانطولوجيا الضخمة عمل لا يشترط فقط فيه العلم والإمكانات المعرفية المؤهلة، وإنما العزيمة والشغف والانقطاع لهذا الفن فن المسرح ، “فإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام” . لكل ما تقدم وأكثر فالدكتور يوسف مؤهل وزيادة لإعداد هذا العمل المثمر المبارك.
في وطننا السودان تحفظ الذاكرة الثقافية للدكتور يوسف عدة مآثر فهو مساهم وشريك أصيل في صياغة تيار “الغابة والصحراء” مع رفقة طيبة من نجباء السودان ومبدعيه ” د. محمد عبد الحي، ومحمد المكي إبراهيم ، النورعثمان أبكر” وهو التيار الفكري المعاصر الذي فجر سؤال الهوية في الثقافة السودانية ونبّه للسودان “الآفرو-عروبي” عبر تطبيقات مباشرة في الإبداع. يتوازى هذا التيار مع مدرسة الخرطوم التشكيلية وروادها الفنان إبراهيم الصلحي والفنان شبرين.
أما المأثرة الثقافية الثانية للدكتور أنه إفترع إتجاهاً نظرياً عن المسرح في السودان الفرجة والتطبيق والعلاقة بالجمهور عُرف في أدبيات ذلك الزمان بـ “مسرح لعموم أهل السودان في سبيل تعددية وتنوع ثقافي في بلاد السودان”. لكل ما تقدم فإن تصدي الدكتور لهذا العمل إنما لما هو به أهلٌ وأجدر، هذه الجمهرة ليست بطبيعة الحال محض “أسمارليل في الصباح تضيع” وإنما شغف إمتد لعقود من الزمان كانت فيه المصادر عن المسرح السوداني شحيحة بل “أندر من أسنان الدجاج”، والحكايات عنه محض روايات شفهية، والعناية بأمر التوثيق أقرب إلى “وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه” ورغم ذلك كان الدكتور من القلة النادرة التي سهرت على نار المسرح المقدسة، مثل فارماس وهو يحرس النار في مسرحية نبتة حبيبتي، برفقة حبيبته سالي والتي تماثلها عنده رفيقة دربه صاحبة الإهداء الأستاذة الفنانة المسرحية نادية جابر، لأنه جهد يتوازى ورحلة عمر بحاله شاركته فيه صاحبة الإهداء.
الرؤية والمنهج
تتأسس منهجية كتاب “الوافي” كسفر جامع على عدة تكوينات مركبة من مذاهب التأليف، منها ما هو تراثي ومنها ما هو حداثوي عصري. يظهر الأثر التراثي في هذا المصنف مستأنساً بقوالب عرض وجمع المادة بالأسلوب التراثي الكلاسيكي لما فيه من سعة وغنى وتنوع وشمول خاصة في المصنفات الأدبية التاريخية الكبرى كـ “الطبقات الكبرى” و”الأغاني” و”أسد الغابة” والحماسة وتاريخ الطبري وموسوعات الأعلام، حيث تجد أن قوالب الموسوعات التراثية تحتوي على خيارات لا متناهية من ألوان الكتابة تجمع بين
الببلوغرافيا والعرض والإستشهاد والسيرة الغيرية والمساجلات والاقتباس والشواهد والفوائد البلاغية واللغوية والإحالات إلى مصادر أخرى.
الدكتور يوسف شغوف بكتاب “الطبقات” لود ضيف الله ولعله أراد لنا في “الوافي” أن نتعرف على كرامات أهل المسرح بدلاً عن كرامات الأولياء . إذ أن “الوافي” لم يقدم لنا فقط سيرة المسرح مجردة بل مشحونة بحواشي العصر والأفكار السائدة والقيم المجتمعية بين الرفض والقبول، مع المقارنة والقياس والمقاربات والجرح والتعديل والموازنة والتحقق من المصادر وضبطها بطريقة علمية.
والأثر التراثي في تأليف دكتور يوسف يظهر في حرصه على أن يُري القارئ “المزاج العام” وليس فقط جملة من المعلومات المتراصة، هذا دون أن يغفل مناهج التحليل النقدي المعاصر واستخلاص مقولات فكرية لكل فترة من فترات تاريخ المسرح في السودان. زمنياً تتبع كتاب الوافي خط التطور التاريخي التراكمي
Chronological من ناحية وربط هذا الخط التتابعي بتحليل المحتوى الاجتماعي لفهم الظاهرة المسرحية في سياقها الاجتماعي وتفسيرها، كما يقول المتصوفة “الحال مخلوق الوقت أو لكل أوانٍ حال”.
التفكيك والتركيب
دعت ندرة المصادر في بعض الحقب التاريخية من تاريخ المسرح إلى إعمال آلية “التفكيك والتركيب” بهدف سد فجوة غياب المصادر وهي من الاتجاهات المنهجية المعاصرة في النقد والتحليل وأبرز فلاسفتها في هذا العصر جاك دريده الفيلسوف والباحث الجمالي الفرنسي من أجل ذلك مثلاً نظر المؤلف في مصادر غير مسرحية بمعنى أنها مصنفات لم تُكتب للمسرح خاصة وإنما تؤمن مادتها إضاءات نفسية ومجتمعية يمكن أن تفيد في إلقاء الضوء على الظاهرة المسرحية في الوطن مثل كتاب “ملامح من المجتمع السوداني” للأستاذ حسن نجيلة ومثل كتابات في التاريخ الاجتماعي العام ومنها سيّر أعلام ومبدعين في في مجالات أخرى كالشعر والأدب مثلاً ومنها وثائق أرشيفية لصُّحف، ولا ننسى ما كُتب في مجلتي “الفجر والنهضة”. إشتغلت آلية التفكيك والتركيب كذلك على التوازن بين انسيابية النص “المجرى الرئيسي للمحتوى السردي” دون إثقاله بالهوامش والمتون والشروحات وتحويلها كأجزاء فنية إلى فهارس جانبية للمستزيد، سواء داخل المتن نفسه أو في نهاية كل فصل على حدة. وحالة إثقال النص بالهوامش والفهارس من التحديات التي تواجهها معظم المصنفات ذات الطبيعة الموسوعية.
كيفية معالجة الرسائل والبحوث
في ذات السياق المنهجي استطاع الدكتور يوسف معالجة بعض الرسائل الأكاديمية في الشأن المسرحي والمدونات الأكاديمية بإستخلاص زبدة القول فيها بعد تخليصها من أثقال مطلوبات البحث العلمي التي تكتب بغرض الإجازة والوفاء بمطلوبات الرسائل الجامعية، بإرفاق بيبلوغرافيا مفصلة عن أصحابها ومن ثم وضع الرسائل نفسها في السياق الزمني للبحث الأشمل في “الوافي”.
وعمد كذلك إلى تنويع المختارات بحيث تتضمن كتابات نظرية وأخرى تطبيقية مضافاً إليها البحوث القيمة التي كانت ثمرة لمجهودات مركز عايدابي الذي عُني بالبحوث في المسرح السوداني وبعض البحوث التي نشرتها الهيئة العربية للمسرح لكتاب سودانيين. كما امتدت هذه العناية للتعريف الببلوغرافي لنصوص وكُتّاب من “خارج السودان” وجدت أعمالهم طريقها للمسرح السوداني من مصر وبلاد الشام.
شمل هذا الإتجاه كتابات نقدية عن عروض مسرحية وأثبتت هذه النصوص كاملة غير منقوصة تأكيداً على الفرضية التي ذكرناها آنفاً وهي حرص الدكتور يوسف عايدابي على وضع القارئ في ما يعرف بـ “المزاج العام” للظاهرة المسرحية في الوطن وآراء النقاد وكتاباتهم بلا أدنى شك تشكل واحدة من أبرز العناصر التي تجعل القارئ يتعرف على طبيعة ذلك المزاج في حينه وأوانه وسياقه.
إثبات المصادر الكلاسيكية
من فوائد هذه الموسوعة المسرحية إثبات المصادر الكلاسيكية والتعريف بقيمتها وتلخيص محتواها تلخيصاً وافياً بما يشكل مادة ضرورية للمستزيد من أهل البحث والدراسات المتعمقة وطلاب الدراما في مستوى البكالوريوس أو الدراسات العليا، حيث يصعب تجميع هذه المصادر كلها بين دفتي كتاب. وقيمة هذه الأنطولوجيا أنها أتاحت وجود هذه المصادر بين يدي القارئ أياً كانت بغيته وأهدافه وأظنها ستسد فراغاً في مادة المسرح السوداني لطلاب الدراما إن أعتُمدت مستقبلاً في المنهج.
هندسة التبويب
عُني القسم الأول من “الوافي” بالمسرح الوافد بدايات القرن العشرين وبمقدمة تمهيدية عن الإعداد والتناص والسودنة في مقابل أعداد مسرح الجاليات للمسرحيات العربية التاريخية أو الأوربية وإشارات عن دور العرض لتلك الجاليات. تضمن هذا القسم في مستواه الثاني نشاط الفرق المسرحية في الفترة من 1918 – 1980م ليتضح كيف أمكن للفرق الأهلية أن تستمر داخل الأندية ثم بالتدرج خارجها باستقلالية تامة.
تضمن هذا الجزء إلتفاته للمسرح والمؤسسة التعليمية للمسرح مع بروز دور معهد بخت الرضا عام 1934م لتدريب المعلمين ومعهد التربية بشندي. وثق الجزء الثالث لتجربة المسرح القومي ومواسمه المسرحية والمشتغلين بالمسرح تعريفاً بواقع العمل المسرحي الذي راوح بين الهواية والاحتراف، وتوظيف المسرح لأغراض خيرية مجتمعية وبين اعتباره عملية إبداعية.
خصص “الوافي” فصولاً مقدرة لتوثيق أسماء ساهمت في صناعة الحياة المسرحية من الرواد: “صديق فريد، عبدالرحمن علي طه، المسرحي خالد أبو الروس، أحمد الطيب أحمد، الطاهر شبيكة ، ميسرة السراج ، الفاضل سعيد وغيرهم”. تم تخصيص الجزء الخاص بالكلية بالبحث في توجه المسرح المحلي إلى تنظير وتوظيف فكرة “مسرح سوداني من لحم ودم” وانصب معظم هذا القسم على مناقشة المقالات ومجهود النقاد وكتاباتهم عن العروض المسرحية المحلية أو المصرية الزائرة، ويشمل هذا القسم جزءاً مكرساً لمسيرة المسرح القومي ومواسمه المسرحية إلى جانب النظر للوضع المؤسسي للمسرح في البلاد من خلال النصوص النقدية بغية التعرف على نوعية النقد والنقاد خاصة سبعينيات القرن الماضي.
أُرفق بالكتاب ملحقات وقصاصات تطبيقية وصور عن عروض تلقاها جمهور المسرح في المدة من 1895 – 1985م، واختتمت فصول “الوافي” بيبلوغرافيا شارحة للعروض المسرحية في البلاد منذ 1899 – 1989م.
مضت هندسة التبويب في مسارين .. الأول تضمين الهوامش والإحالات والإشارات النظرية داخل المتن والمسارالثاني إفراد فهارس مستقلة لكل فصل أو قسم على حدة ثم استلال بعض المعلومات الجزئية وإضافتها للبيبلوغرافيا وبذلك تكون المعلومات قد استخدمت في أكثر من سياق وفق مقتضى الحال.
بتوظيف الإستراتيجية البنائية النقدية Structuralism في تقديري أن أصعب مراحل هذه الأنطولوجيا وأشقها على الباحث هو الفهرسة Indexing وبناء الأرشيف الخاص بكل فصل على حدة، أو الأرشيف والملحقات النهائية لكامل الموسوعة سيّما وأن المصادر الخام لمادة المسرح السوداني ليست على نسق واحد فثمة مصادر أصلية وثائق وكتابات مخصوصة وهناك مصادر علمية “بحوث ورسائل” ومصادر ثانوية “صحف، أخبار، إعلانات ذات صلة بمجال المسرح” وتوجد إفادات سماعية أو شفاهية تم تدوينها في سير الأعلام وصناع الحياة المسرحية. والمطلوب من الباحث أن يجد صيغة علمية سلسلة توفق بين كل هذه المصادر ووتجعل منها وحدة فكرية ناظمة لأقسام الكتاب كما ينظم خيط حبات المسبحة جميع عقدها وهنا تتجلى خبرة د. يوسف عايدابي في هندسة هذا الأرشيف بصورة مبدعة ومذهلة ووافية تشبه كتابه “الوافي”.
