مركز د.يوسف عايدابي للانتاج الفني الاعلامي

” قراءة في كتاب الوافي في تاريخ المسرح في السوان “

نورس عادل /العراق

..الواحدُ لا يكونُ إلا بالآخر… ثمّةَ جملةٌ عميقةٌ تتكسر على أعتابها نوايا التكاسل لقارئٍ ما لتمثل عنده نقطةَ تحولٍ لمزاج جاذبٍ يدعمُ ميولهُ في اكمالِ قراءةِ ما بدأهُ، جملةٌ وثيقة الصّلة بمعنىً فارق شكّلتهُ التجربة الكتابية لديه لتضعه خارجَ اسرابِ من يستثمرُ اللغة في الكتابة ولا يوظّف آلياتها بالتفكُّر، فالقراءةُ عادةً لا تشمل خياراً ثالثاً فإما أن تولدَ ميتةً كجنينٍ ألتفت حول عنقه مشيمتهُ المغذيةُ لتحاصرَ انفاسه قبل أن يولدَ وقبل أن يتاح له حضوره الخاص في أفقٍ من انطولوجيا الانتظار ، أو أن تشرقَ تلك القراءةُ بفواعلَ تنبثقُ عنها حياةٌ قادمة بأسرارها وسرديتها الخاصة وتضع روحها وسريرتها بين يدي قارئٍ يدحضُ الغياب عنها عبر تعشيق زمنهِ الخاص بالازمنة المتعددة لماهية النّص وجوهرهِ في الوجود الثقافي، حينئذٍ فقط تتفتح ازاهير  الاسئلة عن هوامش نص وتصعدُ من قرارتها الى مقدّماتهِ وتنتاب القارئَ حالةٌ أقرب ما تكون الى ولوجِ صدعٍ تتولد فيه المعرفة ما بين العيانِ والتفكُّرِ والمشاركةِ، ولا سيَّما عند حدود التعاطي الذي يفرضه عَقدُ النص عبر تمريرِ حسبةٍ مغايرةٍ وحساسيّات فارقة تجعلُ القارئَ يتنقل ما بين حس الامتاع ولذةِ الكشفِ ومكرِ التربُّص واستدراجِ مقدرته على الاشتباك مع المرجعياتِ الفكريةِ والمراجعاتِ الجمالية لبنية النَّص ومفازاتهِ …. يحدثُ كل ذلك عبر ما تكتنزه جملةٌ واحدةٌ لها أن تمُرَّ على البعض مجردة وعابرة ما بين آلاف الجمل، حسناً فالحساسيات تختلفُ من ذاتٍ لأخرى وقد تُشكل عند آخرين أثراً للحقيقةِ المبتغاة ومفترق طرقٍ لتربص وشغفٍ وفضول يتأتَّى بالتوالد فتعاد على وفق مرادهِ صياغات مغايرة لرؤى واستراتيجية مختلفةٍ تُعيدُ النظرَ  إلى النص وما يضمرهُ من مقدرة على مفاتحة وتحرير  العديد من قنوات الاتصال ما بين زمن القارئ ونواياهُ المُسبَقةِ وبين أزمنة النص المتعددة بادئ ذي بدء ، بخاصة إذا ما تصدَّرت هذه الجملة ملحوظات مقدمة لمجلد ضخم يسعى مُؤلِّفهُ جاهداً لتوخي سبل التوثيق المنهجي والعلمي لتاريخ طويل من الممارسات الفنية والمسرحية لشعب ينتمي له هذا المُؤلِف ويُقدس وجوده وقيمه ويسهم في استلهام حضوره على نحو متفرد …وعلى أي حالٍ لن نجد بد من الإشارة إلى أن أي قراءة لن تمثل سوى محاولة تصطنعها وريقات معدودة أمام المئات من صفحات ضمتها عناية مُؤَلف يزيد عن (760) صفحة ولن يتحقق مراد مقال واحد في الايفاء بالجهود المبذولة بين مغلفي كتاب ( الوافي في تاريخ المسرح في السوداني _ من عروض مسارح الجاليات إلى مواسم المسرح القومي ) لمؤلفه (الدكتور يوسف عايدابي) وهو مجلد ضخم يضم (ستة اجزاء) من القطع المتوسط وقد صدر  في (طبعته الاولى) ضمن حقل الدراسات للعام(2025) عن الامانة العامة للهيئة العربية للمسرح / الشارقة..

فبالرغم من كونه يقع ضمن مراد التوثيق إلا أنه يقيم حيداً خاصاً من مسافة جمالية مغايرة تشي بدور يقترن بالراوي الموثوق تارةً وبالناقد السارد والمحلل تارةً أخرى، فالمُؤلِّفُ يعمد إلى تعضيد مسائلاته النقدية التي تتعشق بسمارها التواريخ وتستحضر  بمسامرتها مقدرةً شفيفة تضطلعُ بمهام تجسير العلاقة ما بين ذاكرة وفم وما بين نوايا صادقة لأصابع صقلتها اوجاع التجربة الفنية والانسانية، هذه النوايا التي لن تخالف تصور قارئ اسعفتهُ فرصة التعرف على شخصية الدكتور عايدابي هذه الشخصية التي لم تترجل عن فضاءات المشهد الثقافي العربي منذ أكثر من نصف قرن، بل ولم تخالف كتاباتهُ طباعهُ المتفردة ولم تخرج عن مدارها المتُصوّر لمثقفٍ موسوعي نبيل .. تلك الشخصية القريبة على قلب كل من يتعرف عليها أو يلامس روحها الشفيفة عن قربٍ، فهو المسرحي العربي الذي يزاول المسرح نقداً وكتابةً وصحافة وتنظير ، وهو ذاته الذي اضطلع بمهام تعرية تواريخ المُستعمِر  في بنية المشهد المسرحي العربي وعمل على تعضيد العديد من عمليات تأصيل التجربة المسرحية العربية حيثما كان آملاً في دحض عوامل النسيان التي تحاول أن تواري بالسكوت والاهمال تاريخاً طويلاً من الحراك العنيد الذي جسدته تلك التجربة، بخاصة للذين اسهموا بصناعتها وعاشوا لحظات مجدها وتعرفوا على الجهود الحثيثة التي صنعت وجوده عبر أكثر من قرن من زمن التجربة المسرحية العربية، ومع هذا لا تجده يعمد إلى الغاء أثر الآخر أو يمارس الاحتيال على مقدرة الثقافات وخصيصتها الأبدية بالتعابر  والتناسج واجتيازها الدائب لحدود الارض والوعي بعناد جيني أو باصطناع تواريخ زائفة أو بتزويق هويات هاربة عن مدار الحقيقة  ” فالواحدُ لا يكونُ إلا بالآخر ” وربَّ جملة قادرة على توريط قارئ كان ينوي العُجالةَ في تقليب صفحات كتاب أثقل من أن تحمله يدٌ واحدةٌ.. جملة تمتلك مقدرة التمكين الدراماتورجي وهي تعيد صياغة النوايا المُسبَقَة لمن لم يكن ينوي أن يخوض حيداً من مسائلات التجربة المسرحية لبلاد لطالما تآكلتها المحن وقُوِضت فضاءاتها الحرة بالحروب المستعصية وبالكوارث الطبيعية التي تغدق عليها وكأنها هِبات الابد ومشيئة الرب الأحد.. تلك البلاد التي ما عادت تمارس المسرح ولا المهرجانات بالسهولة ذاتها التي تمارسها البلدان المجاورة  وكلنا يفهم الأسباب ويدرك أثر المتغير الاجتماعي والراهن السياسي على ديمومة المسرح في أي بقعة من بقاع الارض.. ” ففي أم درمان عرفنا المسرح القومي ” هكذا يصف الدكتور عايدابي صعوبات انبثاق المسرح بصورته الحديثة ”  وهو مسرح مكشوف مفتوح على السماء على صوت الرعد وتساقط الامطار، على ضجيج الشارع وابواق السيارات على فيضان النيل وتعطل الكهرباء بسبب المياه.. هو ذا مسرح ليس كالمسرح ” (ص220) ففي بلاده وعبر مراحل انبثاقه المبكرة جاءت ولادة المسرح بعسر ، ففي العام (1903) ( بحسبه )كان التاريخ يزاول فرائضه لانبثاق المسرح الحديث في السودان على يد (البار بابكر صدقي) الذي عده المؤلف الأب الروحي لتلك الانعطافة والمفترق التأسيسي لطرق المسرح التي تمايزت عن ما قبله من تجارب الفرجة والفلوكلور ذات الطابع الشعبي الذي أرتبط بجذور الممارسات القبلية والمجتمعية ” مثل فرجات الزفاف/ والسيرة/ وموكب العرائس/ومراسم العزاء ذات الطقوس المتنوعة/ ومراسم الزار…إلخ “ص(221) وما بعد ذلك التاريخ حيث أعيد تشكيل التجربة المسرحية بالمزامنة والاتساق مع فتح دور التعليم وربط التجربة الفرجوية بقنوات الدرس التي ظهرت بالتزامن معها ومع افتتاح اول المدارس في بلاد السودان..

فقد عني الجزء الاول من هذا المُؤَلَّف بتسليط الضوء على التجارب المسرحية لتلك العروض التي صحبتها الجاليات الوافدة إلى السودان في بدايات القرن العشرين بدءً من المسرح في المدرسة الذي مثلته النشاطات اللاصفيّة لحفلات التخرج والمناسبات الخيرية أو تلك التي تضمنت شكلاً من أشكال الاحتفاء بالزيارات الرسمية لبعض الشخصيات الهامة آنذاك، ولعلَّ أهمها البادرة التي بدرتها مدرسة (البنات للرسالة الكاثوليكية) التي سمحت للبنات في أن يقدمن رواية أدبية على شكل مسرحية وأن يمثلن فيها ، كما وثّقَ هذا الجزء لظهور اول جمعية للتمثيل في السودان( جمعية التمثيل) والتي اعدت منهاجاً اسبوعياً يقترن بمفهوم الربرتوار  في تقديم عروضها المسرحية فيما زاولت بعض الفرق المسرحية الأُخرى ممارستها الفنية عبر تقديم عروضها في المقهى الذي (يراهُ المُؤلِّف) البادرة التأسيسية التي أفضت إلى افتتاح صالاتٍ بطراز مختلف تستقطب العروض والفعاليات والصور المتحركة والموسيقى التي واقترن سياقها العام بالسياق الفني المصري الذي سبق بالتجربة ذاتها عبر مقاهيه وصالاته التي لم تخلُ هي الأُخرى من أثر الجاليات الوافدة إليه… فالجالية المصرية كان لها حضورها وأثرها الثقافي في البنى الاجتماعية السودانية بخاصة وأن التقارب كبير  بين الشعبين، فضلاً عن مقدرة الشعب السوداني على احتواء الثقافات الوافدة وضمّها إلى نسيجه العام، بخاصة تلك الثقافة التي تشاركهم وادي النيل، كما أن هنالك العديد من العوامل الأُخرى التي سرّعت باستيعاب التجارب الوافدة لعل أهمها شغف بعض الافراد من أبناء البلاد بفنون العرض والمسرح السبب الذي دفعهم الى الافادة من التجارب المجاورة لتدعيم خطابهم الجمالي… والحال مقارب بالنسبة للجالية السورية التي تواجدت في السودان أيضاً حاملة معها نشاطاتها الفنية والمسرحية فكان لحضورهم في المشهد الثقافي دوره وأثره أيضاً..

فيما أشتمل الجزء الثاني من الكتاب على محاولة رصينة في تحقيب مسارات النهضة المسرحية في السودان وتسريد الممارسة المسرحية للفرق الأهلية الفتية في تشكّلها وبواكيرها وما قدمته تلك الفرق في العديد من نشاطاتها الفنية وعروضها المسرحية، بخاصة في العقود الثاني والثالث والرابع من القرن العشرين وما أسفر عنه ذلك الحراك من تنشيط لأفق فني وانبثاق متصل بالتماع مشهدية الفواعل الثقافية التي نشطت بها النوادي العمالية وتصدرت البوادر المسرحية لتجارب المسرح القومي السوداني الذي وصل ذروته ومجده في العقدين السادس والسابع من القرن ذاته، إضافة إلى ظهور العديد من الأسماء اللامعة على الساحةِ الفنية وتناوب العروض المسرحية ما بين الكوميديا والتراجيديا، بخاصة بعد رفد الساحة الفنية بالعديد من الطاقات الاكاديمية التي صدّرها (معهد الموسيقى والمسرح في الخرطوم) عبر مخرجاته الحثيثة من مؤلفين وممثلين ومخرجين من الذين استطاعوا أن ينهجوا مساراً علمياً في تقديم عروضهم التي تواصلت نحو تأسيس مسارات فنية وعروض مسرحية تشتبك بملامحها وميولها مع تيارات الحداثة المسرحية العالمية، فضلاً عن استمرار تدفق اعمال الفرق التي عنيت بأشكال فنية مختلفة مثل مسرح الشارع الذي قدمته بعض مسارح الجنوب في مناهضتها للتهميش والنزوح ، كما في تجربة فرقة (كوتو) الأهلية ” وهو كلمة مقتبسة من لغات جنوب السودان وتعني الصغرة المقدسة عند قبائل التابوسا، وكان الاسم الكامل للفرقة وقتها هو جماعة كواتو الاهلية ” (176) وقدمت هذه الفرقة خطاباً فنياً مبني على أتون فلسفة البحث عن مفهوم الهوية الثقافية في محاولة تطويع فنون الرقص والاغاني الشعبية داخل منظومة العرض المسرحي وافراز هويتها البيئية والوطنية وتحرير شكلاً مسرحياً خاصاً ومختلفاً شكل سمة مضافة للتجربة المسرحية السودانية عبر تأسيسها لورشة تدريبية هدفت الى تأهيل وتدريب مجموعة من شباب السودان النازحين.

كما ضم الكتاب في جزئه الثالث قراءة توثيقية لأهم العوامل التي أسهمت بتسارع النمو المسرحي لتجارب المسرح القومي السوداني والذي بدت ثماره تنضج عبر  التحول الكبير المرافق لإسهامات التجارب التنظيرية لأسماء نقدية لامعة استطاعت أن تبث موجهاتها التقويميّة في صلب التجربة المسرحية السودانية، فضلاً عن اتساع المتن العلمي للكتابة في المسرح السوداني وما تتخلله من عناصر  تداخلت في نسيج الخطاب المسرحي وآليات صناعته وأفرزت بذلك خطاب مسرحي عالي القيمة لم يكن بعيداً عن مؤثرات حركة الترجمة التي اتخذت مساراً ناهضاً ونشاطاً تصاعدياً في ترجمة النصوص المسرحية العالمية مما أثرى فضاء التجربة بالعديد من الاسماء الضالعة في صناعة مفهوم النجم وقد” كان لبروز ممثلين واداريين في اوساط فرق التمثيل تميزا وشهرة وشعبية وجماهيرية خلال تجوالهم في انحاء السودان بعروض شعبية غالبيتها كوميدية اجتماعية تنتقد الاوضاع السلبية في مجتمع المدينة والريف… من الذين افلحوا في صناعة عروضٍ وأحداثٍ من داخل المجتمع…وكان لهذا الظهور بالغ الأثر في ازدياد الفرق المسرحية والعروض “(ص191) بعد أن دعمتها الحركة الصحفية ووسعت مدارها بخاصة بعد أن أظهر المسرح الكوميدي قدرة كبيرة على جذب الجمهور وصناعة النجوم الذين استقطبت الفرق الاهلية مواهبهم واسهم افتتاح الاذاعة والتلفزيون السوداني في انتشارهم بحيث صار هنالك مواسم مسرحية .. ” يرى عز الدين هلالي في كتابه النقد المسرحي في السودان(1880/1985) أن مسرح السبعينات في السودان حقيقة هو الاسم المرادف لمسرح المحترفين، فالمسرح القومي راعي الحركة المسرحية في السودان ابتدر اول نشاطاته الموسمية عبر الفرق في العام (1967_1968) فشهد المسرح السوداني اخصب فتراته “(ص190).

وقد استطرد الجزء الرابع من الكتاب بأرشفة الممارسات والتجارب المسرحية التي نشطت في عقود النصف الأول من القرن العشرين والتي شكلتها أهم تجارب الرواد في المسرح السوداني وفي صدارة تلك التجارب العمل المشترك بين الرائد المسرحي(بابكر بدري) والشاعر  المسرحي (خالد ابو الروس) الذين قدما عملهم الموسوم (مقتل تاجوج ومحلق)  (وبحسب المصادر التوثيقية للمُؤلِف) فقد مثل هذا العمل علامة محلية فارقة وتجربة متفردة في تاريخ المسرح السوداني، وقد انفتح الجزء ذاته من الكتاب على تسريد تجارب مسرحية رائدة أخرى وسلط الضوء على خفايا الفرق والتجمعات المسرحية بما حملت من هوامش ومواقف لصناع تلك الحقبة، فضلاً عن تدشين شكلاً من أشكال القراءة النقدية لتجارب الممثلين والمخرجين ولأهم الأدوار التي جسدوها على المسرح، كما سلط الضوء على بعض التقنيات الأدائية التي استخدمها الممثلون آنذاك، بالإضافة إلى إشارات هامة للمجهودات الفنية المبذولة عبر تجارب مسرحية استطاعت أن تستلهم التراث السوداني وتعيد انتاجه بتراكيب جمالية وبقصدية داعمة لمفهوم التحريض الاجتماعي الهادف نحو تطوير  الذهنية المجتمعية، كما في قراءة تجربة الرائد المسرحي السوداني (عبد الرحمن علي طه) الذي كان يرى (بحسب المؤلف)أهمية قصوى للمسرح في تداخله مع العملية التعليمية وتجريب قراءة تستلهم التاريخ وتواكب رهاناته الحاضر ، وكذلك عبر توثيق التجربة الرائدة الأُخرى المتمثلة في نتاج الرائد المسرحي السوداني(احمد الطيب أحمد) (1917/ 1962) الذي عَدَّ المسرح مدرسة للتعلم والتوجيه فقد سعى هذا المُعلِّم المسرحي جاهدا إلى فتح قنوات اتصال ما بين الوعي بالتجربة المسرحية والجمهور ولم يغفل الممارسة النقدية العميقة داخل البنية المسرحية والتي كان لها دورها في تنشط شكلاً من أشكال التواصل مع الآخر  عبر انفتاحها على مناقشة قضاياه ومشكلاته الاجتماعية.. كما أشتمل الفصل ذاته على العديد من الوثائق التي تضمنتها المقالات المنشورة والنصوص والمؤلفات الضالعة بالشأن التحليلي والتوثيقي للحركة المسرحية السودانية عبر تضمين الكتاب لها بالجمع والتمحيص والتحليل النظري وابداء الملحوظات النقدية..

فيما جاء الفصل الخامس من الكتاب معنون ( بكتاب النقد نحو مسرح سوداني ) وهو جزءٌ مختلفٌ من حيث اشتغاله وبنيته وتقسيماته، إذ تفرّد بعنونة مخصصة لتوثيق المسارات النقدية وإبراز أُطرها الإجرائية وسمات الكتابة فيها عبر  محاولة جاهدة لقراءة البعد التنظيري وتجلياته في صلب التجربة المسرحية في السودان، وقد أشتمل هذا الفصل على قسمين تناول الأول منه (المهاد النظري في شأن استقبال المفهوم الغربي للمسرح) وفي بحث وتوثيق سبل التعاطي مع المفاهيم المصاحبة للدراما ضمن البيئة الثقافية والتنظيرية للوعي السوداني آنذاك والذي سرعان ما اشتبك معه ومع مدخلات النظرية الاورسطية، ذلك إن المرجعيات الثقافية في السودان كانت قد تعرفت على أشكال فنية مختلفة تقع ضمن مسارات الأداء الذي حفل به البعد الاجرائي لمفهوم الفرجة والممارسة الطقسيّة والشعبية، فضلاً عن ” انشغال أهل مسرح السودان بالهوية كملمح ومميز سوداني ” (407) الأمر الذي يفسر بعض المسببات من وراء مفارقة أغلب اساليب الكتابة المسرحية الباكرة هنا وعدم مطابقة آراء (ارسطو) فيما يخص الوحدات الثلاث على سبيل المثال ومخالفتهم طوال عقود مع بعض ما جاء به كتاب (فن الشعر) البوطيقيا (لارسطو) حتى نضوج التجربة وتطورها في حقبة أُخرى وبجهود كبيرة لمنظرين سودانيين، ومع هذا ظل الاشتباك قائماً بين من كان يرى في المسطرة الاورسطية تكبيلاً لفضاء الدراما والاجتهاد المسرحي وبين من وجد في تلك المسطرة انطلاقةً ثابتة نحو صنعة مسرحية أكثر علمية اقتراناً بالمسرح الاوروبي ، فيما دعا و_بحسب المؤلف_ قسماً آخر إلى ما اسماه ب(سودنة) التجربة المسرحية مثل (عبيد عبد النور) الذي كان يجد في ذلك المسار محاولة جادة (لحوار هوية مع نصوص عالمية )…

وقد اعتمد القسم الاول من الفصل الخامس على بسط مهاد نظري لعدد من أدباء السودان من الذين تداخلوا مع نظرية الدراما ومن الذين كان لهم قصبة السبق في نضوج التجربة في بواكيرها وبث شكل من اشكال الموجهات الثقافية والتقويمية فيها وعبر العديد من الأسماء التي زاولت النقد الفني والتنظير في الأدب المسرحي مثل (عرفات محمد عبد الله) و(معاوية محمد نور) و(يوسف مصطفى التني) فيما أشتمل القسم الثاني للجزء ذاته على تسليط الضوء على الاقلام النقدية الناهضة في الصحافة السودانية التي اضطلعت بمتابعة ونقد العروض المسرحية للجاليات المصرية وعروض فرقة(حسن البارودي المصرية) و الكشف عن آليات الكيفية القرائية لنقود الناقد (عرفات محمد عبد الله) في مستوى اشتباكه مع منظومة العرض المسرحي، فضلاً عن تحرير مقاربة نقدية للناقد (د. يوسف عايدابي) والتي تضمنت شكلاً من أشكال التأطير التحليلي للبنى المركزية التي أنبثقت عنها التجربة العامة للناقد (عرفات محمد عبد الله) وقد جاء القسم الثالث من الجزء الخامس ليشتبك مع أهم معززات الفرجة المسرحية كمفهوم الامتاع الذي مثل تعاطي ايجابي مع المتفرج الفطن، كما ضم هذا القسم أيضاً اجراء توثيقاً للعديد من النقود المسرحية التي اشتغلت على منظومة العروض المسرحية السودانية وما تمخض عن هذا التعاطي النقدي من تطور ملحوظ في بنيتي خطاب العرض وآليات التلقي والعمل الصحفي على حد سواء….

فيما أحتوى الجزء السادس من الكتاب طابعاً لببليوغرافيا لم تقتصر على قائمة بالمصادر والمراجع وحسب، بل ضمت أيضاً دليلاً خاصاً لعروض المسرح السوداني وأهم مشاغله في أمد يمتد من العام (1899/ 1969) بمسرد يستند عل تسلسل أبجدي أتخد مدخلاً لفهرسة وتوثيق العروض المسرحية التي اشتغلت على نصوص سودانية وعروض مسرحية سودانية اشتغلت على نصوص عربية وغيرها من العروض التي اشتغلت على نصوص اجنبية ، كما ضمت هذه الببليوغرافيا العديد من عمليات التوثيق لجهود مؤلفين ومخرجين ومعدين مسرحيين سودانيين وغير سودانيين .