د. بشار عليوي
مخرج وناقد مسرحي _العراق
- تمهيد
من بديهي القول, إن أزمة المسرح العربي اليوم, لا تتمثل في ندرة النصوص أو شحّ التجارب الإخراجية أو تراجع الإنتاج فحسب, وإنما تكمن, قبل ذلك في هشاشة الذاكرة التي تحفظ هذا التاريخ وتؤسس لاستمراره, فالمسرح بوصفه فناً لحظوياً يُقدم مُجسداً على خشبة المسرح ثُمَ لا يلبث أن يتوارى بوصفاً فن الفُرجة الحية حينما لا يبقى منه إلا ما تنجح هذهِ الذاكرة الثقافية في توثيقه وحفظه وتحويله إلى معرفة قابلة للتداول والبحث من قبل فواعل ثقافية, ومن هنا, فإن التوثيق لا يُعد عملاً مكملاً للممارسة المسرحية أو هامشاً لها, بل يُمثل أحد أهم شروط بقائها واستمرارها لأنه يُحول المنجز المسرحي من حدث عابر إلى مرجع تاريخي, ومن تجربة فردية إلى رصيد ثقافي تتناقله الأجيال.
لقد عانى المسرح العربي على امتداد عقود طويلة, من فجوة واضحة بين وفرة النشاط المسرحي من جهة, وضعف مشاريع التوثيق العلمي من جهة أخرى. فكثير من العروض والنصوص والوثائق والصور والشهادات والبيانات التاريخية ضاعت أو بقيت حبيسة الأرشيفات الشخصية, وفي هذا السياق, يكتسب كتاب “الوافي في تراث المسرح في السودان” الصادر حديثاً عن الهيئة العربية للمسرح للدكتور يوسف عايدابي أهمية استثنائية, ليس بوصفه كتاباً يؤرخ للمسرح السوداني فحسب, وإنما باعتباره مشروعاً معرفياً يسعى إلى إعادة بناء ذاكرة مسرحية كاملة عبر جمع المادة المتناثرة وتوثيقها وتصنيفها وإعادة تقديمها ضمن نسق علمي يتيح للباحثين والدارسين والمهتمين الوقوف على تطورات المسرح السوداني ومراحله ورموزه وتحولاته. فالكتاب لا يقدم سرداً تاريخياً تقليدياً, بقدر ما يؤسس لبنية مرجعية شاملة تجعل من التوثيق نفسه فعلاً ثقافياً يوازي في أهميته فعل الإبداع المسرحي, ولا تنبع قيمة هذا المنجز من موضوعه وحده, بل من شخصية مؤلفه أيضاً, فالدكتور يوسف عايدابي ليس باحثاً جاء إلى المسرح من خارجه, وإنما هو أحد صناع الحركة المسرحية السودانية الحديثة, وممن أسهموا في صياغة أسئلتها الفكرية والجمالية منذ ستينيات القرن الماضي وهو في الوقت نفسه شاعر وكاتب مسرحي وناقد وأكاديمي ومخطط ثقافي جمع بين التجربة الإبداعية والممارسة المؤسسية والعمل البحثي الأمر الذي منح مشروعه التوثيقي بعداً معرفياً يتجاوز حدود التسجيل التاريخي إلى قراءة الثقافة المسرحية بوصفها نتاجاً للحياة الاجتماعية والفكرية في السودان, ولعل هذه الخلفية الفكرية هي التي تجعل هذا الكتاب امتداداً طبيعياً لمسيرة طويلة انشغل فيها “عايدابي” بسؤال الهوية الثقافية السودانية وبالعلاقة بين التراث والمسرح وبين الموروث الشعبي والحداثة, وبين الخصوصية الوطنية والانتماء العربي والإفريقي. فمنذ تنظيره لفكرة (مسرح لعموم أهل السودان) في سبعينيات القرن الماضي, ظل “عايدابي” ينظر إلى المسرح باعتباره فضاءً جامعاً للتعدد الثقافي ومجالاً لإعادة اكتشاف الشخصية السودانية في تنوعها اللغوي والإثني والثقافي ومن هنا فإن انتقاله لاحقاً إلى مشروع التوثيق لا يمثل تحولاً في اهتماماته, بقدر ما يعبر عن تطور طبيعي في مسار مشروعه الفكر, إذ لا يمكن الدفاع عن هوية ثقافية من دون حفظ ذاكرتها ولا يمكن كتابة تاريخ المسرح من دون بناء أرشيف علمي متين.
لا يمكن قراءة هذا الكتاب بمعزل عن التحولات الكبرى التي شهدها المسرح العربي خلال العقود الأخيرة, وفي مقدمتها صعود المشاريع المؤسسية الهادفة إلى توثيق التجارب المسرحية العربية, وفي طليعتها مشاريع الهيئة العربية للمسرح في الشارقة, التي اضطلعت بدور محوري في نشر الدراسات المرجعية, وإحياء الذاكرة المسرحية العربية, وإطلاق مبادرات نوعية في مجالات التوثيق والبحث والنقد والتكوين. وقد كان الدكتور يوسف عايدابي واحداً من أبرز العقول التي أسهمت في ولادة هذه المشاريع وصياغة رؤاها.
- يوسف عايدابي … مشروع ثقافي
حين يُذكر اسم د.عايدابي في سياق المسرح العربي, فإن الذهن لا ينصرف إلى كاتب مسرحي أو ناقد أو أكاديمي فحسب وإنما إلى مشروع ثقافي متكامل تشكل عبر أكثر من ستة عقود من الاشتغال المتواصل بالإبداع والبحث والتخطيط الثقافي والعمل المؤسسي فالرجل الذي بدأ رحلته الأدبية في مطلع ستينيات القرن العشرين بنشر قصته (حبيبتي ومحارات البحار السبعة) في مجلة الأديب اللبنانية لم يكن يدرك آنذاك أن مسيرته ستغدو واحدة من أكثر التجارب العربية تأثيراً في الجمع بين الفكر المسرحي والتوثيق الثقافي وصناعة المؤسسات, وأن اسمه سيغدو لاحقاً مرادفاً لجملة من المشاريع التي أسهمت في إعادة تشكيل المشهد المسرحي في السودان والإمارات, وفي فضاء المسرح العربي بصورة عامة.
ولا تكمن خصوصية د.عايدابي في تعدد صفاته المهنية بقدر ما تكمن في وحدة مشروعه الفكري, فهو شاعر وكاتب مسرحي وناقد وباحث وأكاديمي ومخطط ثقافي وإداري, إلا أن هذه المسارات لم تكن متجاورة أو متوازية بل كانت تصب جميعها في رؤية واحدة ترى في الثقافة مشروعاً حضارياً متكاملاً, وفي المسرح وسيلة لفهم المجتمع وإعادة إنتاج وعيه بذاته لذلك ظل انتقاله بين الكتابة الإبداعية والبحث الأكاديمي والعمل الإداري والتوثيق, انتقالاً عضوياً لا تحكمه المصادفة بل تفرضه طبيعة المشروع الذي انشغل به منذ سنواته الأولى, فقد شكّلت دراسته الأكاديمية في رومانيا وحصوله على درجة الدكتوراه في تاريخ ونظرية المسرح عن أطروحته الموسومة “توظيف الأساطير في المسرح العربي المعاصر” منعطفاً مهماً في تكوينه العلمي فهذه الدراسة لم تمنحه أدوات البحث المقارن فحسب, بل وسّعت أفقه في النظر إلى المسرح باعتباره ظاهرة ثقافية تتقاطع فيها الأسطورة والتاريخ والهوية والذاكرة, وربما يفسر ذلك اهتمامه اللاحق بالتراث الشعبي وبالموروثات الثقافية, وبالعلاقة بين المسرح والهوية الوطنية وهي الموضوعات التي ستصبح لاحقاً محاور ثابتة في معظم كتاباته النظرية والنقدية.
ولعل أكثر ما يميز مشروع د.عايدابي الفكري هو انشغاله المبكر بسؤال الهوية السودانية وهو السؤال الذي كان في سبعينيات القرن الماضي أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في الثقافة السوداني فقد جاء تنظيره لمفهوم “مسرح لعموم أهل السودان” بوصفه محاولة لتجاوز الثنائية التقليدية بين الثقافة العربية والثقافة الإفريقية والدعوة إلى مسرح يعبر عن التعدد الثقافي الذي يميز المجتمع السوداني وينطلق من الاعتراف بأن الهوية السودانية ليست هوية أحادية أو مغلقة وإنما هي حصيلة تفاعل تاريخي بين روافد حضارية متعددة. ومن هنا جاءت مسرحيته الشهيرة “حصان البياحة” عام 1974 تجسيداً عملياً لهذه الرؤية إذ لم تكن مجرد نص مسرحي, بل بياناً ثقافياً يترجم تصوره النظري لمسرح قادر على مخاطبة جميع السودانيين, بعيداً عن الإقصاء أو الاحتكار الثقافي, ولم يكن هذا التصور منفصلاً عن مشاركته الفكرية في تأسيس تيار (الغابة والصحراء) إلى جانب الراحل محمد عبد الحي وعدد من المثقفين السودانيين, ذلك التيار الذي أعاد طرح سؤال الهوية السودانية من منظور يرى السودان فضاءً يلتقي فيه البعدان العربي والإفريقي ويتفاعلان في إنتاج ثقافة ذات خصوصية تاريخية وجمالية, وإذا كان هذا التيار قد تجلى في الشعر والرواية والفنون التشكيلية, فإن عايدابي نقل روحه إلى المسرح, حيث سعى إلى بناء خطاب مسرحي ينطلق من التراث المحلي دون أن ينغلق عليه, ويستفيد من المنجز المسرحي العالمي دون أن يفقد خصوصيته الثقافية.
أن ما يلفت الانتباه في تجربة د. يوسف عايدابي هو أنه لم يكتفِ بإنتاج الأفكا, بل سعى إلى تحويلها إلى مؤسسات ومشاريع ثقافية قادرة على الاستمرار حينما أسهم في تأسيس مجلة “وازا” المتخصصة بالتراث, وشارك في تأسيس (مجلة الموروثات الشعبية), كما تولى إدارة مركز الدراسات الوثائقية والفلكلور في السودان, وهي مواقع تكشف عن اهتمام مبكر بقضية التوثيق وحفظ الذاكرة الثقافية, ولم يقف المشروع الثقافي لعايدابي عند حدود التأليف والبحث والتنظير, وإنما اتجه أيضاً إلى بناء المؤسسات الثقافية القادرة على استدامة الفعل المسرحي وهو ما تجسد في تأسيس (مركز يوسف عايدابي لفنون المسرح) في السودان, الذي سرعان ما تحول إلى إحدى المبادرات الثقافية النوعية المعنية بخدمة المسرح السوداني المُعاصر عبر إصدار الكتب والدراسات وتنظيم الفعاليات الفكرية وتشجيع البحث العلمي والاحتفاء بالرموز المسرحية, فضلاً عن دعمه للمشروعات التوثيقية التي تُعنى بتاريخ المسرح السوداني وتحولاته, ويكتسب هذا البعد المؤسسي أهمية خاصة إذا ما علمنا أن المركز أصدر عدداً من المؤلفات والدراسات المسرحية التي أسهمت في رفد المكتبة السودانية والعربية, الأمر الذي يجعل تجربة د.عايدابي مثالاً للمثقف الذي لم يكتفِ بإنتاج المعرفة, بل سعى إلى توفير الأطر المؤسسية التي تضمن استمرار إنتاجها وتداولها.
وعندما انتقل عايدابي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة لم يكن انتقاله مجرد تغيير في مكان الإقامة بل مثّل انتقالاً إلى فضاء عربي أوسع أتاح له تحويل خبرته الثقافية إلى مشاريع ذات أثر إقليمي, فمن خلال عمله مستشاراً ثقافياً لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة, وقيادته لعدد من المواقع الثقافية في إمارة الشارقة ومنها إدارة التخطيط في دائرة الثقافة, والإشراف على معرض الشارقة الدولي للكتاب, كُل هذا قد أسهم في ترسيخ نموذج ثقافي يقوم على التخطيط بعيد المدى ويجعل من الثقافة مشروعاً مؤسسياً مستداماً, لا نشاطاً موسمياً عابراً.
وفي هذا السياق, يبرز دوره في الهيئة العربية للمسرح بوصفه أحد أهم أوجه حضوره العربي فمنذ السنوات الأولى لتأسيس الهيئة, كان د.عايدابي من العقول التي شاركت في بلورة رؤيتها المسرحية, وأسهمت في صياغة برامجها ومبادراتها الكبرى, سواء في مجالات النشر أو التدريب أو البحث أو التوثيق أو المهرجانات ولم يكن حضوره حضوراً إدارياً فحسب, بل حضوراً فكرياً واضحاً انعكس في طبيعة المشاريع التي تبنتها الهيئة والتي قامت على الإيمان بأن نهضة المسرح العربي لا تتحقق بالإنتاج المسرحي وحده, وإنما تحتاج كذلك إلى بناء قاعدة معرفية راسخة, قوامها الدراسات, والبحوث, والموسوعات, والبيبليوغرافيات, والتوثيق العلمي, تحقيقاً لرؤية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي.
- عن كتاب “الوافي في تراث المسرح في السودان”
إن قراءة هذا الكتاب بعيداً عن هذا المسار الطويل ستختزل قيمته في كونه مرجعاً عن المسرح السوداني, بينما يكشف التأمل في تجربة د. يوسف عايدابي أن الكتاب ليس سوى حلقة في مشروع ثقافي أكبرظل صاحبه يؤمن بأن الثقافة لا تُصان بالإبداع وحده, وإنما تُصان أيضاً بالبحث والتوثيق وبناء المؤسسات وصناعة الذاكرة, ومن هنا فإن قيمة هذا المنجز لا تكمن في عدد صفحاته أو حجم مادته فحسب بل في كونه خلاصة رحلة فكرية وإنسانية امتدت لعقود ظل خلالها مؤلفه وفياً لفكرة أساسية مؤداها أن المسرح الذي لا يكتب تاريخه, محكوم عليه أن يبدأ من الصفر في كل جيل, فليس من اليسير أن يتصدى باحث لإنجاز عمل مرجعي يتناول تاريخ المسرح في بلد يمتلك من التنوع الثقافي واللغوي والإثني ما يمتلكه السودان, فضلاً عن تعقيد مساراته الاجتماعية والسياسية وزحمة الإشكاليات التي يرزح تحتها, وتوزع وثائقه بين المؤسسات الرسمية والأرشيفات الشخصية والروايات الشفهية, ومن هنا, فإن كتاب “الوافي في تراث المسرح في السودان” لا يُقرأ بوصفه إصداراً جديداً في المكتبة المسرحية العربية, وإنما بوصفه مشروعاً معرفياً طويل النفس يمثل خلاصة عقود من الاشتغال بالمسرح كتابةً وبحثاً وتوثيقاً وإدارةً ثقافية إذ سيغدو مرجعاً يؤسس لمرحلة جديدة في كتابة تاريخ المسرح السوداني, فهذا الكتاب لا يندرج ضمن المؤلفات التي تكتفي بسرد الوقائع التاريخية أو تتبع التسلسل الزمني للأحداث وإنما يطمح إلى إعادة بناء الذاكرة المسرحية السودانية عبر منهج يقوم على الجمع والتصنيف والتحقق والمقارنة وإعادة تنظيم المادة التاريخية ضمن نسق علمي متماسك ومن هذه الزاوية, فإن قيمة الكتاب لا تتحدد بحجم المعلومات التي يضمها وإنما بطريقة تحويل تلك المادة المتناثرة إلى منظومة معرفية قادرة على خدمة الباحثين, واستنهاض أسئلة جديدة حول تاريخ المسرح السوداني وتحولاته الفكرية والجمالية والمؤسسية.
ولعل هذه السمة هي التي دفعت الناقد السوداني مصعب الصاوي, في قراءته الموسومة “الوافي في تاريخ المسرح في السودان” إلى النظر إلى الكتاب بوصفه “جمهرة موسوعية” للحياة المسرحية السودانية, مؤكداً أن إنجاز مثل هذا العمل لا يمكن أن يكون ثمرة جهد عابر أو مبادرة فردية مؤقتة بل هو حصيلة معرفة راسخة بتاريخ المسرح في السودان ومساراته ورموزه ومصادره وتطوراته, كما رأى أن د.عايدابي هو الأقدر على حمل هذا المشروع لأنه لم يكن شاهداً على الحركة المسرحية السودانية فحسب, وإنما كان أحد صناعها وممن أسهموا في تشكيل خطابها الفكري والجمالي منذ ستينيات القرن الماضي.
غير أن هذه القراءة, على أهميتها تفتح الباب أمام مقاربة أوسع ففي تقديري لا تكمن القيمة الجوهرية للكتاب في كونه موسوعة جامعة أو مرجعاً شاملاً فحسب, وإنما في كونه يعيد تعريف وظيفة التوثيق المسرحي ذاته فالمؤلف لا يتعامل مع الوثيقة باعتبارها مادة تُحفظ داخل الأرشيف وإنما بوصفها عنصراً فاعلاً في إعادة إنتاج المعرفة, ومن هذه الزاوية, يغدو “الوافي” أكثر من عمل بيبلوغرافي إذ يتحول إلى مشروع لإعادة كتابة الذاكرة المسرحية فالفرق كبير بين كتاب يجمع المعلومات, وآخر ينتج من خلالها معرفة جديدة, والواقع أن د.عايدابي ينتمي إلى النوع الثاني فهو لا يضع الوثيقة أمام القارئ بوصفها غاية, وإنما يجعلها مدخلاً لقراءة تاريخ المسرح السوداني بوصفه تاريخاً للثقافة وللمجتمع ولتحولات الهوية ولتطور المؤسسة المسرحية وللعلاقة الجدلية بين الإبداع والواقع.
ومن هنا, فإن الكتاب يقدم نموذجاً عربياً متقدماً في البيبليوغرافيا المسرحية, وهي من الحقول التي ما تزال تعاني نقصاً واضحاً في المكتبة العربية رغم أهميتها في دعم البحث العلمي فالدارس لا يحتاج إلى النصوص المسرحية وحدها بل يحتاج أيضاً إلى المراجع الجامعة التي ترسم خريطة الحقل المسرحي, وتيسر الوصول إلى مصادره ووثائقه وشخصياته ومؤسساته, وهو ما نجح “الوافي” في تحقيقه بدرجة كبيرة, حينما لا يمكن النظر إليه باعتباره منجزاً سودانياً خالصاً مهما بلغت خصوصية موضوعه, لأن ظروف إنتاجه وطبيعة المؤسسة التي تبنّت نشره والخلفية الفكرية التي انطلق منها مؤلفه, جميعها تجعل منه جزءاً من مشروع عربي أوسع يسعى إلى إعادة الاعتبار للبحث العلمي والتوثيق بوصفهما أحد المرتكزات الأساسية في نهضة المسرح العربي, وهذا ما يقودنا الى القول أن الهيئة العربية للمسرح قد أدركت منذ سنواتها الأولى ومن خلال رؤيتها, أن الأزمة التي تواجه المسرح العربي لا تكمن في قلة المهرجانات أو ضعف الإنتاج المسرحي فحسب, وإنما في غياب المشاريع المرجعية القادرة على حفظ الذاكرة المسرحية العربية وصيانتها من الضياع لذلك لم يقتصر نشاطها على تنظيم المهرجانات أو دعم الإنتاج والعروض بل اتجهت إلى بناء منظومة معرفية متكاملة, تمثلت في إصدار الكتب وترجمة المؤلفات وإنجاز الدراسات ونشر النصوص وتوثيق التجارب, وإطلاق المشاريع البحثية ذات الأفق العربي, واطلاق المسابقات المسرحية المتنوعة, لذا يأتي كتاب “الوافي” ليعكس جانباً مهماً من التحول الذي شهدته الثقافة المسرحية العربية خلال العقدين الأخيرين, حينما انتقلت من الاهتمام بالنصوص والعروض وحدها إلى الاهتمام بالمعرفة المنتجة حول المسرح نفسه, فالمسرح في هذا التصور, لم يعد فناً يقدم على الخشبة فقط وإنما أصبح حقلاً معرفياً يحتاج إلى الموسوعة والفهرس والدليل, والبيبليوغرافيا وقاعدة البيانات والأرشيف, وهي جميعها أدوات لا تقل أهمية عن النص المسرحي أو العرض المسرحي في بناء الوعي المسرحي.
مما تقدم نجد إن القيمة العربية لكتاب “الوافي” لا تكمن في كونه يوثق للمسرح السوداني, وإنما في كونه يقدم نموذجاً عملياً يمكن الإفادة منه في بلدان عربية أخرى فما أحوج المسرح العربي اليوم إلى مشاريع مماثلة توثق للمسرح المغربي أو السوري أو اليمني أو الموريتاني أو البحريني, وفق منهجية علمية موحدة تسمح في المستقبل ببناء موسوعة عربية شاملة للمسرح, تتكامل فيها التجارب الوطنية داخل إطار معرفي عربي جامع, وهُنا نستذكر جهود عدد من الباحثين المسرحيين العرب ممن وثقوا لتجارب مسارح بلدانهم كالباحث د. عامر صباح المرزوك في العراق, ود. عمرو دوارة في مصر … وغيرهم, لذا فالحاجة تزداد إلحاحاً في ظل التحول الرقمي الذي يشهده العالم, إذ لم تعد الموسوعات المرجعية تُقاس بما تحتويه من معلومات فقط بل بقدرتها على التطور والاستجابة للمعرفة الجديدة ومن هنا فإن المستقبل الطبيعي لهذا العمل يتمثل في رقمنته وإتاحته للباحثين وربطه بمشروعات عربية مشتركة للتوثيق المسرحي الأمر الذي سيضاعف من قيمته العلمية ويمنحه حياة جديدة تتجاوز حدود الطبعة الورقية, فالقيمة النقدية لهذا الكتاب لا تنبع من كونه يسد نقصاً في المكتبة السودانية فحسب وإنما من كونه يعيد طرح سؤال بالغ الأهمية على الثقافة المسرحية العربية: هل يمكن أن تستمر حركة مسرحية لا تمتلك ذاكرتها المرجعية؟ ويبدو أن إجابة د.عايدابي جاءت عبر هذا الكتاب قبل أن تأتي عبر أي تنظير آخر, إذ جعل من التوثيق نفسه ممارسة ثقافية تؤسس للمستقبل لا مجرد استعادة للماضي.
ولعل القيمة الأعمق لهذا الكتاب تكمن في أنه يعكس مسيرة صاحبه الفكرية كلها. فمنذ دعوته إلى “مسرح لعموم أهل السودان” مروراً بإسهاماته في قضايا التراث والهوية ووصولاً إلى أدواره في الشارقة والهيئة العربية للمسرح, ظل د.يوسف عايدابي مؤمناً بأن الثقافة لا تُبنى بالإبداع وحده, وإنما تُبنى أيضاً بالبحث, والتوثيق وصناعة المؤسسات وحفظ الذاكرة, ومن هذه الزاوية, يبدو هذا الكتاب خلاصة طبيعية لمشروع ثقافي طويل, أكثر منه استجابة لحاجة بحثية آنية.
المراجع
- بدر الدين حسن علي. تاريخ المسرح في السودان: ملاحقات باكرة لصورة وأحوال المسرح السوداني, (الخرطوم: مركز عايدابي لفنون المسرح، 2021).
- بشار عليوي, دليل نقاد المسرح العربي 1899_2020, (الشارقة: الهيئة العربية للمسرح, 2023).
- عصام أبو القاسم. تعقيب نقدي على كتاب “الوافي في تراث المسرح في السودان”, ضمن الجلسة الاحتفائية بصدور الكتاب، النادي الثقافي العربي، الشارقة، نقلاً عن صحيفة “الخليج” الإماراتية بعددها الصادر يوم 14/6/2026.
- مصعب الصاوي. “الوافي في تاريخ المسرح في السودان”, قراءة نقدية قُدمت في الجلسة الاحتفائية بكتاب “الوافي في تراث المسرح في السودان” بالنادي الثقافي العربي بالشارقة, نقلاً عن صحيفة “الخليج” الإماراتية بعددها الصادر يوم 14/6/2026.
- الهيئة العربية للمسرح, مشروع الاستراتيجية العربية للتنمية المسرحية: الندوة الثالثة نقد المسرح… رؤية مستقبلية, (الشارقة: الهيئة العربية للمسرح، 2011).
- يوسف عايدابي وغنام غنام, المسرح في الإمارات: أصداء الواقع… أصوات المستقبل, (الشارقة: الهيئة العربية للمسرح، 2014).
- =========, زكي طليمات هذا الفن الوافد العجيب: محاضرتان ومذكرتان. (الشارقة: الهيئة العربية للمسرح، 2019).
- =========, الوافي في تراث المسرح في السودان, (الشارقة: الهيئة العربية للمسرح، 2026).
