د. بشار عليوي مخرج وناقد مسرحي _العراق تمهيد من بديهي القول, إن أزمة المسرح العربي اليوم, لا تتمثل في ندرة النصوص أو شحّ التجارب الإخراجية أو تراجع الإنتاج فحسب, وإنما تكمن, قبل ذلك في هشاشة الذاكرة التي تحفظ هذا التاريخ وتؤسس لاستمراره, فالمسرح بوصفه فناً لحظوياً يُقدم مُجسداً على خشبة المسرح ثُمَ لا يلبث أن يتوارى بوصفاً فن الفُرجة الحية حينما لا يبقى منه إلا ما تنجح هذهِ الذاكرة الثقافية في توثيقه وحفظه وتحويله إلى معرفة قابلة للتداول والبحث من قبل فواعل ثقافية, ومن هنا, فإن التوثيق لا يُعد عملاً مكملاً للممارسة المسرحية أو هامشاً لها, بل يُمثل أحد أهم شروط بقائها واستمرارها لأنه يُحول المنجز المسرحي من حدث عابر إلى مرجع تاريخي, ومن تجربة فردية إلى رصيد ثقافي تتناقله الأجيال. لقد عانى المسرح العربي على امتداد عقود طويلة, من فجوة واضحة بين وفرة النشاط المسرحي من جهة, وضعف مشاريع التوثيق العلمي من جهة أخرى. فكثير من العروض والنصوص والوثائق والصور والشهادات والبيانات التاريخية ضاعت أو بقيت حبيسة الأرشيفات الشخصية, وفي هذا السياق, يكتسب كتاب “الوافي في تراث المسرح في السودان” الصادر حديثاً عن الهيئة العربية للمسرح للدكتور يوسف عايدابي أهمية استثنائية, ليس بوصفه كتاباً يؤرخ للمسرح السوداني فحسب, وإنما باعتباره مشروعاً معرفياً يسعى إلى إعادة بناء ذاكرة مسرحية كاملة عبر جمع المادة المتناثرة وتوثيقها وتصنيفها وإعادة تقديمها ضمن نسق علمي يتيح للباحثين والدارسين والمهتمين الوقوف على تطورات المسرح السوداني ومراحله ورموزه وتحولاته. فالكتاب لا يقدم سرداً تاريخياً تقليدياً, بقدر ما يؤسس لبنية مرجعية شاملة تجعل من التوثيق نفسه فعلاً ثقافياً يوازي في أهميته فعل الإبداع المسرحي, ولا تنبع قيمة هذا المنجز من موضوعه وحده, بل من شخصية مؤلفه أيضاً, فالدكتور يوسف عايدابي ليس باحثاً جاء إلى المسرح من خارجه, وإنما هو أحد صناع الحركة المسرحية السودانية الحديثة, وممن أسهموا في صياغة أسئلتها الفكرية والجمالية منذ ستينيات القرن الماضي وهو في الوقت نفسه شاعر وكاتب مسرحي وناقد وأكاديمي ومخطط ثقافي جمع بين التجربة الإبداعية والممارسة المؤسسية والعمل البحثي الأمر الذي منح مشروعه التوثيقي بعداً معرفياً يتجاوز حدود التسجيل التاريخي إلى قراءة الثقافة المسرحية بوصفها نتاجاً للحياة الاجتماعية والفكرية في السودان, ولعل هذه الخلفية الفكرية هي التي تجعل هذا الكتاب امتداداً طبيعياً لمسيرة طويلة انشغل فيها “عايدابي” بسؤال الهوية الثقافية السودانية وبالعلاقة بين التراث والمسرح وبين الموروث الشعبي والحداثة, وبين الخصوصية الوطنية والانتماء العربي والإفريقي. فمنذ تنظيره لفكرة (مسرح لعموم أهل السودان) في سبعينيات القرن الماضي, ظل “عايدابي” ينظر إلى المسرح باعتباره فضاءً جامعاً للتعدد الثقافي ومجالاً لإعادة اكتشاف الشخصية السودانية في تنوعها اللغوي والإثني والثقافي ومن هنا فإن انتقاله لاحقاً إلى مشروع التوثيق لا يمثل تحولاً في اهتماماته, بقدر ما يعبر عن تطور طبيعي في مسار مشروعه الفكر, إذ لا يمكن الدفاع عن هوية ثقافية من دون حفظ ذاكرتها ولا يمكن كتابة تاريخ المسرح من دون بناء أرشيف علمي متين. لا يمكن قراءة هذا الكتاب بمعزل عن التحولات الكبرى التي شهدها المسرح العربي خلال العقود الأخيرة, وفي مقدمتها صعود المشاريع المؤسسية الهادفة إلى توثيق التجارب المسرحية العربية, وفي طليعتها مشاريع الهيئة العربية للمسرح في الشارقة, التي اضطلعت بدور محوري في نشر الدراسات المرجعية, وإحياء الذاكرة المسرحية العربية, وإطلاق مبادرات نوعية في مجالات التوثيق والبحث والنقد والتكوين. وقد كان الدكتور يوسف عايدابي واحداً من أبرز العقول التي أسهمت في ولادة هذه المشاريع وصياغة رؤاها. يوسف عايدابي … مشروع ثقافي حين يُذكر اسم د.عايدابي في سياق المسرح العربي, فإن الذهن لا ينصرف إلى كاتب مسرحي أو ناقد أو أكاديمي فحسب وإنما إلى مشروع ثقافي متكامل تشكل عبر أكثر من ستة عقود من الاشتغال المتواصل بالإبداع والبحث والتخطيط الثقافي والعمل المؤسسي فالرجل الذي بدأ رحلته الأدبية في مطلع ستينيات القرن العشرين بنشر قصته (حبيبتي ومحارات البحار السبعة) في مجلة الأديب اللبنانية لم يكن يدرك آنذاك أن مسيرته ستغدو واحدة من أكثر التجارب العربية تأثيراً في الجمع بين الفكر المسرحي والتوثيق الثقافي وصناعة المؤسسات, وأن اسمه سيغدو لاحقاً مرادفاً لجملة من المشاريع التي أسهمت في إعادة تشكيل المشهد المسرحي في السودان والإمارات, وفي فضاء المسرح العربي بصورة عامة. ولا تكمن خصوصية د.عايدابي في تعدد صفاته المهنية بقدر ما تكمن في وحدة مشروعه الفكري, فهو شاعر وكاتب مسرحي وناقد وباحث وأكاديمي ومخطط ثقافي وإداري, إلا أن هذه المسارات لم تكن متجاورة أو متوازية بل كانت تصب جميعها في رؤية واحدة ترى في الثقافة مشروعاً حضارياً متكاملاً, وفي المسرح وسيلة لفهم المجتمع وإعادة إنتاج وعيه بذاته لذلك ظل انتقاله بين الكتابة الإبداعية والبحث الأكاديمي والعمل الإداري والتوثيق, انتقالاً عضوياً لا تحكمه المصادفة بل تفرضه طبيعة المشروع الذي انشغل به منذ سنواته الأولى, فقد شكّلت دراسته الأكاديمية في رومانيا وحصوله على درجة الدكتوراه في تاريخ ونظرية المسرح عن أطروحته الموسومة “توظيف الأساطير في المسرح العربي المعاصر” منعطفاً مهماً في تكوينه العلمي فهذه الدراسة لم تمنحه أدوات البحث المقارن فحسب, بل وسّعت أفقه في النظر إلى المسرح باعتباره ظاهرة ثقافية تتقاطع فيها الأسطورة والتاريخ والهوية والذاكرة, وربما يفسر ذلك اهتمامه اللاحق بالتراث الشعبي وبالموروثات الثقافية, وبالعلاقة بين المسرح والهوية الوطنية وهي الموضوعات التي ستصبح لاحقاً محاور ثابتة في معظم كتاباته النظرية والنقدية. ولعل أكثر ما يميز مشروع د.عايدابي الفكري هو انشغاله المبكر بسؤال الهوية السودانية وهو السؤال الذي كان في سبعينيات القرن الماضي أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في الثقافة السوداني فقد جاء تنظيره لمفهوم “مسرح لعموم أهل السودان” بوصفه محاولة لتجاوز الثنائية التقليدية بين الثقافة العربية والثقافة الإفريقية والدعوة إلى مسرح يعبر عن التعدد الثقافي الذي يميز المجتمع السوداني وينطلق من الاعتراف بأن الهوية السودانية ليست هوية أحادية أو مغلقة وإنما هي حصيلة تفاعل تاريخي بين روافد حضارية متعددة. ومن هنا جاءت مسرحيته الشهيرة “حصان البياحة” عام 1974 تجسيداً عملياً لهذه الرؤية إذ لم تكن مجرد نص مسرحي, بل بياناً ثقافياً يترجم تصوره النظري لمسرح قادر على مخاطبة جميع السودانيين, بعيداً عن الإقصاء أو الاحتكار الثقافي, ولم يكن هذا التصور منفصلاً عن مشاركته الفكرية في تأسيس تيار (الغابة والصحراء) إلى جانب الراحل محمد عبد الحي وعدد من المثقفين السودانيين, ذلك التيار الذي أعاد طرح سؤال الهوية السودانية من منظور يرى السودان فضاءً يلتقي فيه البعدان العربي والإفريقي ويتفاعلان في إنتاج ثقافة ذات خصوصية تاريخية وجمالية, وإذا كان هذا التيار قد تجلى في الشعر والرواية والفنون التشكيلية, فإن عايدابي نقل روحه إلى المسرح, حيث سعى إلى بناء خطاب مسرحي ينطلق من التراث المحلي دون أن ينغلق عليه, ويستفيد من المنجز المسرحي العالمي دون أن يفقد خصوصيته الثقافية. أن ما يلفت الانتباه في تجربة د. يوسف عايدابي هو أنه